تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع4 /يناير 1961 .................... ص 02

دراسات إسلامية: دواء الشاكين وقامع المشككين

للدكتور تقي الدين الهلالي

- 11 -

اعترض على أحد الإخوان فقال انك لا تحافظ على الاصطلاحات العلمية، فقلت له اذكر لي مثالا من ذلك فقال أنه لا يحضره ولا مثال واحد. فقلت له ينبغي أن تعلم أني لم اقصد بهذه المقالات بيان المسائل العلمية، لذاتها فحسب وإنما أردت استخلاص العبرة والاستدلال على تدبير الخالق الحكيم ثم أني مترجم فمن أراد أن يعترض علي يجب عليه قبل ذلك أن يستحضر الأصل ويقابله بالترجمة ثم يعترض على ما يراه خطأ، على أني لا أحرص كثيرا على التدقيق في الترجمة بقدر ما أحرص على سهولة العبارة وتيسير فهمها للقراء، ثم إن الاصطلاحات العلمية الحديثة كلها ألفاظ أجنبية لا يمكننا أن نخطئ فيها ولكن يمكن أن نفسرها ونشرحها.

ثم قال المؤلف: يظهر أن الحيوان له قدرة على تبادل الشعور تقوم مقام اللغات عند الإنسان، فمن ذا الذي لم يلاحظ أن جمعا من السمك المعروف بمنو يتحرك كله دفعة واحدة في وقت واحد؟ ومن ذا الذي لم يراقب بإعجاب الطائر المعروف بالطيطوي يطير ويحوم في الجو حتى تجتمع عليه سائر الطير ذوات الصدور البيض في أشعة الشمس فتجتمع كلها في وقت واحد، فمتى أعطيت الأوامر وتلقيت لا يسمع صوت نقدر أن ندركه، ومع ذلك يطيع الرب كله الأوامر كأنه فرقة من جنود أمرها ضابطها بأمر فامتثلته، بعضنا لا يصدق بوجود تبادل الشعور بين أفراد الحيوان، وبعضنا بصدق به، ولكن لا أحد منا يستطيع أن يفسر الأسلوب الذي يتفاهم به السرب.

متى حملت الريح فراشة أنثى وأدخلتها إلى غرفتك من خلال النافذة، ترسل في الحين بإشارة خفية إلى الفراشة الذكر وبينهما مسافة بعيدة جدا فتتلقى الفراشة الذكر تلك الرسالة وترد جوابها، وأن أحدثت رائحة شديدة في معملك لتمتع تخاطبهما لم يجدك ذلك نفعا، فهل يوجد لذينك المخلوقين الضعيفين جهاز ارسال أي محطة إذاعة يتحادثان بها، أو تراها تهز الاثير فيلتقي هو الاهتزاز ويتفاهمان بذلك؟ وماذا نقول في أنثى الجاذب حين تحك ساقيها أو جناحيها في ليلة هادئة فيسمع ذلك رفيقها على مسافة نصف ميل، إنها تهز ستمائة طن من الهواء لتنادي رفيقها، والفراشة التي تعمل في عالم من عوالم الطبيعة تنادي رفيقها في سكوت تام، وقبل أن يكتشف الراديو كان العلماء يظنون أن رائحة تنبعث من الفراشة الانثى فيشمها الذكر ويفهم منها مراد الانثى ولو كان هذا صحيحا أيضا لكان من خوارق العادة لان الرائحة إذا انبعثت في الهواء تنبعث في جميع الجهات بهبوب الريح أو بدونه فيكون على الفراشة الذكر حين تصلها هباءة من الرائحة أن تميز من أي جهة جاءت فبقيت المشكلة بلا حل.

ونحن الآن نبذل جهدنا في توسيع علم الميكانيك لتتطور المواصلات وتتسع دائرتها، وسيأتي اليوم الذي يستطيع الشاب فيه أن ينادي محبوبته من مسافة بعيدة بدون استعمال وسائل ميكانيكية فترد له الجواب دون أن يحول بين تخاطبهما جدار ولا باب مغلق، أن التليفون والراديو من الآلات العجيبة نستطيع بهما أن نتحادث من مسافات بعيدة، ولكننا مقيدون بالسلك والمكان، وعلى هذا نرى أن الفراشة لا تزال متفوقة علينا، ولا يسعنا إلا أن نغبطها على ذلك حتى نستطيع ادمغتنا أن نخترع الراديو الفردي وحينئذ نتمكن من تبادل الافكار على الوجه الاكمل، والنبات يحثال في استخدام أشياء لاستمرار وجوده دون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٢٤