تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

آخرين توصلوا إلى الإيمان فرادى لأن في أعماقهم استعدادا قويا للإيمان مثل التاجر الذي تكفل الصليب فتطاير شرر الحداد على عينه فعميت فكانت حافزا له على الإيمان بالمسيحية، ومثل الجندي المسيحي الذي (ما كاد يقع نظر المسيح عليه حتى أحس كأن نورا أضاء قلبه فاستجاب ضميره لهذا الدين الذي جاء النبي الجديد وبدأ منذ ذلك اليوم يفهم الدعوة فهما حقا ودخل منذ تلك اللحظة في زمرة المؤمنين. .) (1)

1) الضمير عند الجماعة: لم يتناول الكاتب الجماعة مستقلة ولم يكن ليستطيع، وإنما اقتصر على إبرازها في تضاعيف حديثة عن الضمير عند الفرد، ورغم أن الجماعة في حقيقتها ليست إلى مجموعة أفراد فإن الدكتور محمد كامل كان قد حرص على تبيان أن الجماعة لا ضمير لها بل يذهب في القول على لسان قيافا بأن المسيح (عجز عجزا تاما عن أن يخلق للجماعات ضميرا كأنه يظن أن الجماعات تكون طيبة إذا كان أفرادها طيبين وهو خطأ مشهور) (2) فالأفراد وان أخلصوا أنفسهم من أدران الشهوة والأنانية فإنهم لن يلبثوا -أي الضمير- يتجنب الأوتان الحسية والمعنوية.

2) كيف نقوي الضمير الجماعي: لاحظ المؤلف أن القوى المتحكمة في الجماعات ثلاثة القوة الحيوية وما فيها من نوازع وشهوات، وقوة العقل وما فيها من قوة على المعرفة وقوة الضمير وما جبلت عليه من تمييز للحق من الباطل، فأما القوة الأولى فغايتها الإبقاء على الحياة وهي لذلك تتعدى حدودها مجازفة كي تبلغ مرماها، أما القوة العاقلة فوسيلة قويمة للمشاكل والأحداث ولكنها مغرورة بقدرتها، أما الضمير فخير كله وهو الحكم بين الباطل والحق (3).

والسبيل الأقوم لإحقاق الحق هو أن يحاول كل فرد أو يوجد في نفسه توازنا لهذه القوى الثلاث حتى لا يطغى جانب منها على الآخر، فالقوة الأولى يحافظ عليها بالنشاط والثانية بالعلم والمعرفة والثالثة -أي الضمير- يتجنب الأوتان الادمية منها مثل الزعماء والحكام والمعنوية كالمصلحة العامة والوطن.

يبدو لنا من العرض السابق «لقرية ظالمة» أن الدكتور محمد كامل حسين قد خرج بموضوع القصة الأسطوري الخاص بظرف معين إلى طرق ما نبذل -وبذلته الأجيال السابقة- من جهد في أحداث نظم سياسية واجتماعية تهدف لإسعاد المجموعة البشرية. . كما نلاحظ أن المؤلف حاول أن يجد حلا جذريا للشقاء الإنساني فجنح إلى تلمس الداء في مكمنه. . جنح إلى الإنسان نفسه فحصر قواه في عناصر ثلاثة هي الحياة والعقل والضمير مرتئيا في توازنها سعادة الفرد والجماعة جميعا.

وفي نظرنا أن المؤلف وقد نصب نفسه مشرعا للإنسانية قد تأثر بمفهوم شوينهور للإرادة التي تعتور في باطن الكائن الفرد وتحدد نوع علاقته بغيره، بل إنه يخلص إلى نفس تشاؤم شوينهور في استحالة وجود عالم نبيل خير (4) وإلا فكيف نفسر تنبيه المؤلف لنا بوجوب توازن: الحياة والعقل والضمير ونحن نعتقد معه بداهة باستحالة هذا التوازن في أعماق الإنسان العادي الذي لا يقوى على فهم نفسه؟ أليس هذا غير اعتراف متستر باستحالة انشاء عالم لا شقاء فيه ولا شر. .؟

ان هذا الجنوح إلى اتخاذ الإنسان الفرد مفتاحا لحل المشاكل الإنسانية ليس جديدا إلا أن الدكتور محمد كامل حسين لم يترك الإنسان حرا مسؤولا في استبطان ذاته كي يشرع للإنسانية عبر هذه الذات مثل ما نعرف عن المذهب الوجودي كما أنه لم يشعر هذا الإنسان بقدرة الله المهيمنة ومغبة المصير كما نعرف عن الديانات، وإنما أطلقه ليمارس تجربة توازنه بنفسه إلا أنه مشدود منذ البدء بمواد أولية مفروضة هي حياته وعقله وضميره.

ولنتجاوز السؤال عن كيفية الاهتداء إلى هذه العناصر الثلاثة دون غيرها؟ وعن كيفية التمييز بينها؟ ولنتجاوز مرة أخرى فلا نسأل عن طبيعة الضمير أهو نزوع فطري أم أن للقوتين الأوليتين تأثيرا عليه؟ لأن هذه الأسئلة تزعزع مناقشتنا من أساسها ولنمر عليها إلى سؤال أخير: أليست هذه المحاولة في نهايتها غير اجتهاد لخلق مدينة فاضلة

(1) ص: 111.

(2) ص: 62

(3) ص: 258

(4) راجع شونيهور في تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ص: 277

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٧١