تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفلاطون، فكان يعتنق فكرة خلق العالم من العدم «تاييس الايسات عن ليس» (9) وأن للزمان بداية ونهاية وكذلك وبالتالي بدء الحركة، أما ابن باجة وابن طفيل فكانا أميل إلى التقليد الشرقي وخصوصا إلى رأي ابن سينا (10) فابن رشد إذن وحده يتميز بهذه الميزة وهي أنه أرسطي خالص -بالرغم من مخالفته مذهب أرسطو في كثير من المسائل-أي أن فلسفته مشائية، ولذلك كان على أولئك الفلاسفة السابقين على ابن رشد أن يوفقوا بين فلسفتهم التي كثيرا ما كانت تكون بعيدة عن أرسطو-وبالتالي قريبة من الدين- خصوصا فيما يتعلق بالإلاهيات، وهي البحث الأساسي الذي يهم مشكلة التوفيق بين الدين والفلسفة كان عليهم أن يوفقوا بين هذه الفلسفة والدين والفلسفة الذي يعتنقون مبادئه، فلم تكن مهمتهم بالصعبة، لأنهم كانوا يلجأون في الغالب إلى رأي أفلاطون فيما يتعلق بمشكلة الخلق والزمان والحركة ويتركون رأي أرسطو، أو كانوا يقومون بتنازلات للعقيدة كما فعل ابن سينا، إذ كانت محاولة هذا الأخير ترمي دائما إلى أن يكون مذهبه الفلسفي منسجما ومتوافقا مع مبادئ الدين، حتى أنه لم يقر تمييزه المشهور بين الماهية والوجود، والممكن والضروري، في الوجود الواقعي، إلا لكي يوفق بين عقيدة الخلق من العدم وعقيدة أزلية العالم (11) وليرضي بذلك المتكلمين كما اتهمه ابن رشد (12) ومن المعلوم أن رأي أرسطو في مشاكل خلق العالم والزمان والحركة هو أبعد ما يكون عن الشائع أنه ما جاء به الشرع الإسلامي، وخصوصا كما فسره المتكلمون، فعند أرسطو الاعتقاد بأزلية العالم إلى جانب الله، أي عنده الاثنينية إثنينية المادة والصورة وعنده قدم الزمان ولا نهائيته وقدم الحركة بقدم المتحرك أي العالم وهاته الأمور وغيرها مما يصعب على الباحث الجمع بينه وبين الدين، خصوصا كما يفهمه أكثر الناس، والمدافعون عن العقيدة وهم المتكلمون.

لهذا كله كانت مهمة ابن رشد في إقرار التوفيق بين الفلسفة التي يعتنقها والدين الذي يؤمن بمبادئه، وخصوصا كما يفهمه سائر الناس في زمن ابن رشد، كانت هذه المهمة أصعب من مهمة سابقيه.

هذه هي الاختلافات الأساسية التي أراها بين ابن رشد وسابقيه من الفلاسفة العرب في الموقف المشترك الذي وقفوه من الدين، وفيما عدا ذلك، تظل نظرية التوفيق في خطوطها العامة طابعا عاما لفلسفة هؤلاء الفلاسفة من الكندي إلى ابن رشد.

(يتبع)

انظر جميل صليبا المرجع السابق ص 202. (9)

انظر جميل صليبا المرجع السابق ص 35. (10)

(11) أن تعصب رجال الدين والمتكلمين ضد الفلسفة، كان ناتجا في أغلب الأحيان عن غيرتهم على النظام القائم في العلم والعمل الذي أتى به الإسلام، فالإسلام كان عقيدة ووضعا من أوضاع الحياة العملية. ولذلك لم يقبل هؤلاء أن يتسرب إلى النظام الإسلامي ما يعكر صفوه.

(12) انظر أسباب نشوء نظرية التوفيق عند فلاسفة العرب: ليون غوتييه (ابن رشد) الفصل الثالث، وكذلك كتابه الأساسي «نظرية ابن رشد في علاقة ... » السابق الذكر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٦٢