تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بوجه محكم تنقل كل ضجيج أو صوت صغيرا كان أم كبيرا من صوت الرعد المجلجل إلى حفيف الشجر، وتنقل تلك الحنايا نغمات آلات الموسيقى الممتزجة، وأصواتها المختلفة مما يتضمنه الجوق الموسيقي. لو كان المراد خلق الأذن أن تحس خلاياها الأصوات بالقدر الذي يعيش معه الإنسان فقط، فلماذا امتد مداها إلى أو وصل إلى ارهاف السمع؟

لعل القوة الكامنة وراء هذه الخلايا، قد توقعت حاجة الإنسان الآتية في المستقبل إلى الاستمتاع بالاستماع العقلي، أم كان خلق تلك الخلايا على وجه أفضل مما يحتاج إليه على سبيل المصادقة؟

تعليق:

بعد ما شرح المصنف تكوين الأذن العجيب وبين كيف تنتقل المسموعات منها إلى الدماغ ألقى سؤالا على الماديين بطريقته اللطيفة أحرجهم فيه وشدد عليهم الخناق وهو قوله: فلو كان المراد عند (خلق) الأذن أن تحس خلاياها الأصوات، بالقدر الذي يعيش معه الإنسان فقط فلماذا امتد مداها إلى أن وصل إلى إرهاف السمع، ثم حصل الجواب في أمرين اثنين لا ثالث لهما احدهما قوله: لعل القوة الكامنة وراء هذه الخلايا قد توقعت حاجة الإنسان الآتية في المستقبل إلى الاستمتاع بالاستماع العقلي. أشار في هذا الجواب إلى أن الله العليم الخبير حين خلق سمع الإنسان لم يخلقه على القدر الذي يحتاج إليه ليعيش فقط، بل خلقه بقدر ما يحتاج إليه الإنسان في كل وقت لعلمه بتطور حياة الإنسان وتجدد حاجاته، وذلك يستلزم الاعتراف بعلم الله، بجميع أحوال البشر من أول خلقهم إلى فنائهم ويبطل مزاعم الماديين. والأمر الثاني أن يكون ذلك كله وقع على سبيل المصادفة بلا علم ولا تقدير ولا تدبير رمية من غير رام وقد علمت بطلان هذا القول فيما مضى من هذه المقالات.

ثم قال المؤلف: والصغير من الحوت المعروف بسلمون يقضي سنين في البحر ثم يرجع إلى نهره الخاص به، وأعجب من ذلك أنه يصعد جانب النهر الذي يعب فيه الجدول الذي ولد فيه، وقد تكون قوانين الولايات المتحدة الأمريكية التي على أحد جانبي النهر شديدة وقوانين الولاية التي على الجانب الآخر متساهلة ولكن هذه القوانين لا تسري إلى على الحوت الذي يمكن أن يقال فيه أنه يخص الجانبين كليهما، فما الذي يجعل السمك يرجع إلى مكانه بالتدقيق التام؟ فلو نقل حوت من نوع سلمون إلى نهر آخر، وألقي فيها لا درك في الحال أن ذلك النهر ليس نهره، ورجع بكل قواه شاقا طريقه إلى نهره الخاص به ولا يصده عن ذلك التيار المعاكس، وهنا مشكلة أشد استعصاء وصعوبة على الحل وهي قصة ثعابين البحر، فإن هذه المخلوقات العجيبة متى تم نموها ترحل من مختلف الحياض والأنهار، في كل مكان.

فإذا كانت في مياه أوربا مثلا تقطع آلاف الأميال في المحيط متجهة إلى الأعماق البعيدة المدى جنوب نهر برمودا وهنالك تضع بيضها وتموت، أن صغارها التي لا تملك أي وسيلة من معرفة أي شيء غير أنها وجدت نفسها في تيه من المياه، فإنها تتوجه راجعة لا تضل طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها. ثم يتوجه كل منها إلى النهر أو الحوض أو البركة الذي جاء منه أصله، وبذلك يبقى كل بحر محتويا على تعابينه، فيا عجبا كيف صالت التيار وغالبت العواصف ومدود البحار، وهزمت الأمواج المتلاطمة في كل شاطئ! ثم بعد ذلك تنمو، فإذا بلغت منتهى نموها، يهيجها قانون خفي من أسرار الكون، فترجع لتتم رحلتها، فمن أين جاء هذا الدفاع الموجه الذي ساقها؟ ولم يتفق قط أن ثعبانا أوربيا من هذه الثعابين قد صيد في المياه الأمريكية، ولا صيد قط ثعبان أمريكي في المياه الأوروبية! ومن عجائب صنع الله أن الثعبان الأوربي يتأخر نموه سنة أو أكثر ليكون ذلك عوضا عن زيادة مسافة الرحلة التي يقطعها، فهل تملك الذرات التي يتألف منها الثعبان، قوة الاهتداء ومعرفة أماكن أمهاتها؟ وهل تركت تلك الأمهات لأبنائها وصية مكتوبة ومنهاجا مرسوما وأمرتها أن تنفذه؟ فلو أن جماعة من البشر هاجروا من أوربا إلى أمريكا وولدوا أولادهم وتركوا لهم وصايا مكتوبة وزودوهم بالخرائط اللازمة والإرشاد الكافي لشق عليهم بل تعذر عليهم أن يقرأوا تلك الوصايا، ويفهموا ما تضمنته فكيف بتنفيذها، فيجب على الماديين أن يحلوا هذه الألغاز قبل أن يخوضوا فيما لا علم لهم به فسبحان الله الخلاق العليم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٣٧