الحقة ولا أن نبدع الإبداع الصحيح إلا بالسير في ركاب الحضارة الغربية وطرح هذه التقاليد والأفكار والعادات التي ورثناها عن تراث لم تعد له سوى قيمة تاريخية محض.
إن وراء الموقف الأول وإن كان يبدو فيه تصلب وجمود رغبة صادقة في المحافظة على كياننا ومميزات شخصيتنا، وأن وراء الموقف الثاني وإن كانت تبدو عليه مسحة من اليأس والانهيار ميلا إلى الأخذ بالأساليب الحديثة في الخلق والإبداع.
بيد أن الذي تجدر الإشارة إليه -ما دمنا في بداية الطريق وما دمنا لم نتجاوز مرحلة التفكير الصامت إلى مرحلة العمل الجاد -هو أن نذكر جمهور المثقفين في بلادنا بعنصر هام لا بد منه ليس فقط لبناء نهضة سليمة بل ولكي نستلهم نمه القوة والحماس على البناء ونستمد منه صور الإبداع ومعاني الخلق، إنه المثل الأعلى الذي نرمقه ونتطلع إليه. لقد كان الاستعمار الذي منيت به الأمة العربية بمختلف ألوانه يركز اهتمامه ويوجه كل فعاليته للقضاء على الشخصية الفذة التي تتميز بها هذه الأمة، فلقد أدرك منذ الوهلة الأولى التي بدأ يتغلغل فيها في بلادنا أن لهذا الشعب تراثا وحضارة وقيما خالدة ومثلا عليا، لذلك بيت الخطة وأعد العدة لتجريد هذه الأمة من شخصيتها وإقامة سد منيع بينها وبين تاريخها الحافل بالأمجاد والذكريات، على هذا الأساس كان الاستعمار يرسم برامج التعليم، وعلى هذا الأساس كانت تحارب اللغة العربية، وعلى هذا الأساس حيل بيننا وبين الاتصال بإخواننا العرب، ولكن هل كان للاستعمار ما أراد؟ إن الشخصية التي أراد الاستعمار تحطيمها هي الشخصية ذاتها التي حطمت الاستعمار. ومع ذلك فلسنا مكابرين حتى نزعم بأننا خرجنا من هذه المعركة سالمين كل السلامة فما زلنا نعاني من آثار المعركة ما نعاني، وما زلنا نرفع عن شخصيتنا ما تراكم عليها من أنقاض، ونعتقد أن عمل المخلصين الذين يريدون ازدهارا لهذه الأمة في مختلف الميادين ينبغي أن ينحصر في تنقية الشخصية المغربية من رواسب الاستعمار والتخلف وربط هذه الشخصية بالمثل الأعلى الذي علقنا عليها وجودنا في الحياة منذ أن كان لنا وجود، المثل الأعلى الذي ظل خلال حقب التاريخ المديدة يجول في ضمير أمتنا وإيمانها، ويفجر إمكانياتها في الخلق والإبداع.
لن نبتدع شيئا جديدا إذا قلنا أن مثلنا الأعلى كامن كله في الرسالة الخالدة التي حملها العرب، رسالة الإسلام، وما رسالة الإسلام سوى هذه الآية المة التي يتفتق مضمونها عن أروع مثل أعلى (إني جاعل في الأرض خليفة) فكأن الإنسان العربي والمسلم بوجه عام ما وجد إلا ليحقق صورة الله على الأرض، إن هذا الكمال المرموق هو الذي ظل ينفخ في العرب روح الحرية، روح الاعتزاز بالحرية والإصرار على التشبث بها، بل إن هذه الروح هي التي تلقي ضوءا على ضروب الشجاعة والبطولة التي عرف بها العرب وتعطي معنى للكفاح الطويل المرير الذي خاضته الأمة العربية ضد الاستعمار من أجل التحرر والانعتاق.