يشتمل هذا الكلام على قضيتين، الأولى هي تنافر المغربية مع العربية قال الأستاذ كنون: إنهما لا تتنافيان ولو لم يمكن الجمع بينهما لتنازل المغاربة عن مغربيتهم وتمسكوا بعروبتهم. أقول: إن سكان المغرب قسمان أو غصنان من شجرة واحدة وهم العرب والبربر، والبربر شعب يتصل بالعرب في النسب، وقد ضرب بسهم وافر في بناء مجد العروبة والإسلام لا يستطيع العرب أن يدلوا بأكثر منه، وأن علماء اللغات المعروفين في اللغات الأوربية بلفظ (الفينولوجيين) مجمعون على ما يعلمونه علم اليقين أن البربر وقدماء المصريين يتصل نسبهم بالعرب، فلا شك عندهم أن أصلهم واحد، وقد أخبرني البروفسور تشرماك: مدير المعهد الإفريقي في جامعة فيينا أنه ألقى محاضرات في الجامعة المصرية أثبت فيها بالبرهان القاطع من طريق علم اللغات ما ذكرته آنفا. إذن فالمغربية والعربية شيء واحد، والقضية الثانية، هي فرض اختلاف العروبة مع الإسلام وإنهما لو اختلفا لنبذنا العروبة وتمسكنا بالإسلام فإننا مسلمون قبل أن نكون عربا كيف وقد قال الله تعالى في الكتاب الكريم: «إنما المؤمنون إخوة». وقال تعالى في آخر المجادلة «لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه».
ونحن نعيد تأكيدنا للشعوب العربية التي تتألف منها الأمة العربية أنها لن تفلح أبدا ولن تعود لها السيادة والمجد اللذان سعد بهما العرب في صدر الإسلام إلا بالرجوع إلى الإسلام، ولا أقصد الإسلام اللفظي ولا الإسلام المشوب بالبدع والخرافات والشرائع المحرفة، وإنما أقصد الإسلام الذي كان عليه النبي والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار بلا زيد ولا نقص ولو مثقال ذرة. وما أجمل وأصدق قول الأستاذ كنون: فالذي يريد أن يسوس المغرب ويحظى بثقة المغاربة عليه أن يرعى هذه المبادئ الثلاثة في عمل يعمله وكل سياسة ينهجها، وإلا فإنه سيبوء بالفشل الذريع والخذلان الشنيع. وبقية مقال الأستاذ كنون ليس عندي ما أزيده عليها إلا أني أعيد هنا ما قلته من قبل ما دام الرجال المنتجون لتأسيس الدستور يوجد بينهم مثل هذا الرجل الحر فلا خوف على الدستور ولا خوف على المغرب إن شاء الله.
وأما المقال الثاني في توحيد الصوم والأعياد فليس عندي ما أعلق عليه إلا أني أقول إن الأستاذ ابن عبد الله قد استوفى الكلام على هذه المسألة من جميع الوجوه أصولا وفروعا وجمع خلاصة مذاهب أهل السنة من زمان السلف إلى يومنا هذا، وخرج بنتيجة حاسمة لا تبقي شكا عند من له أدنى نصيب من الفقه بمعناه الحقيقي المقصود بقول النبي (ص) (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) ومن سوء الحظ أن الفقهاء بهذا المعنى عددهم قليل في المغرب في الوقت الحاضر فكثر الله من أمثاله. فعلى وزارة الأوقاف أن تتلقى هذه الفتوى بما تستحقه من العناية والاعتبار وتسعى للعمل بمقتضاها فإن القول بتعدد المطالع أوقع المسلمين في فوضى عظيمة حتى صار أهل القطر الواحد يختلفون في الصوم والعيدين وصار الحجاج يقفون بعرفات يؤدون مناسك يوم النحر على حكم المملكة السعودية، وكثير من الأقطار الأخرى تخالفهم في يوم العيد. وإن علم الفلك ليؤيد ما جاء عن الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد وإحدى الروايات عن الشافعي كل التأييد، ولو كان المفتون من المسلمين يبحثون ويفكرون بالطريقة التي سلكها الأستاذ ابن عبد الله ويتجنبون الجمود والتعصب والتقليد الأعمى لا تحدث أفكارهم وزال الاختلاف بينهم في كثير من المسائل ولاجتمعوا على مذهب واحد كما كان الأمر في زمان النبي (ص) والصحابة والتابعين، وتلك هي القرون المفضلة بنص الرسول ف (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). نسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على اتباع كتاب الله وسنة رسوله ويشفيهم من داء التفرق في الدين إنه سميع مجيب.
ـــــــــــــــ
استشر في أمرك الذين يخشون الله
عن الزهري قال: قال عمر رضي الله عنه لا تعترض فيما لا يعنيك واحتفظ من خليلك إلا الأمين فإن الأمين من القوم لا يعادله شيء ولا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره ولا تفش إليه سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله.