تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تسجيل كل ما أمكن من أخبار بعض العلماء، وبعض الصوفية؛ وبعض الرؤساء. وإنما قلت البعض لأن هناك كتابا خاصا بعلماء سوس. وآخر في رؤسائهم. والمقصود أن أسجل أكثر ما يمكن لي تسجيله للغد بهذه الكتب عن هذه الناحية من المغرب.

هذا وقد يجد القارئ من أبناء اليوم مما أكتبه ما يعده من سقط المتاع ومما لا ينبغي أن يهتم به مما يعده عند نفسه في ذوقه من الخرافات ولكن لا ينسين أنني مؤرخ؛ وقلم المؤرخ الجماعة كعدسة المصور تلتقط الإشعاعات الساطعة تلتقط الظلال القاتمة فإن لم يكن قلم من يجمع للتاريخ كذلك، فإنه قلم التضليل والمسخ للحقائق. لأن واجب المؤرخ أن ينقل قارئه بواسطة براعته إلى الذي يتحدث عنه حتى كأنه يشاهد عيانا. وأما أن يهذب أن يشذب ويحذف ويزيد حتى يضلل القارئ عن الحقائق فذلك هو الزور بعينه ولهذا أحرص أنا في التراجم أن أذكر كل شيء مدحا وقدحا وإن كنت أعمل فكري واختار وأرجح. لأن هذه أيضا من وظائف المؤرخ. ولا خير في مؤرخ جماع فقط من غير أن يظهر أثر فكره فيما يكتب.

وبعد فها آنذا أجعل أمام القارئ بعض ما سودته عن سوس في هذا الكتاب الذي هو أحد تلك الكتب. وسيجد فيه أحيانا تكرارا في التحدث عن شيء واحد في مختلف التراجم. والمقصود إيجاد الصور المختلفة باختلاف الروايات لحادثة واحدة. ليستطيع من سيدرس الحادثة غدا أن يستوعب كل ما حواليها. فينظم الكلام في صعيد واحد. وأنا لا أزعم في هذا الكتاب إلا أنه مجموعة مهيأة لمن سيستقي منها غدا ما يريد. ولذلك أحرص على ذكر العادات وطرائف الأخبار. والنكات الأدبية. والقوافي وإن لم تكن بمستساغة عند الأذواق العالية في الأدب؛ كما لا أدعي أنني بلغت الغاية أو اتبعت المنهج العلمي في الدقة. وإنما أدعي أنني حرصت على أمانة النقل عن المصادر -وغالبها من أفواه رجالات الأسر- واجتهدت على أن أتبع الترتيب المنطقي إن حاولت الاستنتاج. باذلا جهدي ما استطعت -لأن المقصود أولا وآخرا أن يرى القارئ مشاهدة ما يقوم به جانب من جوانب المغرب. يضم طائفة من أبناء أمازيغ الشلحيين البدويين. من نشر اللغة العربية وعلومها وآدابها وقد أولعوا بذلك ولوعا غريبا. فقاموا بأعظم دور في ذلك بجهودهم الخاصة من غير أن تعينهم الدولة.

ومن مفاخر المغرب أن هذا العمل بنفسه أو أكثر منه كان في بوادي درعة وفي تافيلالت وفي دكالة وفي الريف. ولكن أين من يجمع لنا مما هناك مثل هذا الجمع. وإن لم يكن جمعا واسعا كما ينبغي. ولا مستوعبا كما كان يجب.

ثم إنني ابن زاوية وابن بيئة أمس. مومن بالروحيات الصادقة. فأقبل خرق العادة إن صح أن ذلك واقع. ولذلك يعذرني من ليس له هذا الإيمان إن وجد في بعض التراجم من الكتاب مثل ذلك فله دينه ولي ديني.

نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف

فليعلم المطالع لهذا الكتاب بأجزائه العشرين أنه سيخوض فيها أخبار الفقهاء والأدباء والرؤساء والصوفية وكل ما يعن من أحوال البادية وسيكون كالداخل إلى السوق التي تجمع كل شيء. فليأخذ ما يعجبه وليعرض عما لا يعجبه. فإن مالا يعده إلى شيئا تافها؛ إن كان لا يذوق حلاوته. قد يكون إزاءه قارئ آخر لا يعجبه هو إلا ذلك. فالكتاب كما يقولون كالمائدة الطافحة بأنواع الأطعمة، يأكل كل واحد منها ما يشتهيه فمن ليس بأديب لا يرتاح للأدب. ومن ليس بفقيه لا يرتاح لأحوال الفقه. ومن ليس بصوفي يستنكر حتى ما هو حق من أحوال الصوفية. نعم إن من يكون مؤرخا يريد أن يستنسخ يفرح بكل شيء ولو الخرافات فضلا عن الحقائق.

وأخيرا

فقد وضعت أمس كتاب (سوس العالمة) أمام القارئ. وهو كالنافذة لهذا الكتاب وإخوانه من الكتب الأخرى. وهناك الآن (الجزء الأول من هذا الكتاب الثاني الذي ستعد من أجزائه إلى العشرين إن شاء الله. فالله ييسر بفضله؛ فإن لم يخرج القارئ بكل ما يريد من الكتاب عن (سوس) فإنه على الأقل يخرج بفائدة كانت عنده قبل الكتاب من المجهولات. نطلب الله أن يأتي بمن سيتم ما ينقص في الموضوع. أو يصحح الأغلاط. وما ذلك على شبابنا الذي نراه يشارك اليوم في هذا الميدان ببعيد.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٨٤