دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص 77
رسالتنا في إفريقيا
للأستاذ أبي فريد
غدت أولى خواص العمل الفكري أن يكون مقربا ورابطا بين مختلف الشعوب، ودافعا بها إلى الوعي والتواصل والاحتكاك ورسالة هذه المجلة هي أن تخلق وعيا فكريا وتغذي الطبقات المثقفة أولا ثم تحمل هذه الرسالة إلى الجنوب مساهمة بالقدر الذي تخوله وسائلها في التحرير الفكري وفي خلق وعي إفريقي.
ففي طليعة الواجبات التي تشعر بها مجلة «دعوة الحق» الاتصال بأبناء هذه القارة الجديدة التي تربطنا بها وشيجة الجوار، ولمحة التاريخ المشترك، والتي نجتمع وإياها في حومة الكفاح من أجل التخلص من التسلط، ورواسب عهود الضعف والخضوع، والتي نضع يدنا في يدها للخروج من التخلف والإنعتاق من مظاهر التبعية الفكرية والاقتصادية والدولية، لبناء مستقبل سعيد متطور.
وفي هذه الظروف الصعبة التي تواجه فيها القارة الإفريقية صعوبات من مختلف الأشكال والألوان، حيث لا زالت هناك شعوب تعاني من الاحتلال، وأخرى تجابه الاستعمار الجديد، وثالثة لا تجد سبيلا إلى التخلص من وكلاء الاستعمار الوطنيين، ورابعة يفرض عليها توجيه خارجي لا يتلاءم مع مصلحتها أو مع ضروريات تطورها. في هذه الظروف تعقد المجلة هذا الركن مساهمة منها في معركة المواطن الإفريقي الذي يروم الاستقلال ويهفو إلى الوحدة ويتعشق العيش الحر.
وهذا المجهود المتواضع تستوحيه هذه الندوة الفكرية من الدور الذي لعبه المغرب ولا زال يتحمل مسؤوليته في مختلف أدوار التاريخ مما يفرضه وضعه الجغرافي وإمكانياته النضالية والحضارية.
فقد كان المغرب أول دولة عانت من تسلط الاستعمار الأوروبي عندما اقتحمت أساطيل البرتغال والإسبان سواحله بدافع من حب الانتقام والتأديب، واعتقادا منها بأن باب إفريقيا إذا انفتح فسيمكن لقوات الغزو من التغلغل والنفاذ.
نعم قام المغرب بدور المدافع تقريرا منه لدوره الذي حدده موقعه الجغرافي كجسر للعبور، في نفس الوقت الذي كان ينمي صلاته بالأقطار الإفريقية فيما وراء الصحراء فهذه الهدايا تتبادل بين أمراء مالي وغانا القديمتين وملوك المغرب في العصر الوسيط وهذه مدينة تمبوكتو وغاو يشع منهما بريق الحضارة المغربية والسودانية وهذه التجارة تنشط قرونا متواصلة بين المغرب وغرب إفريقيا فيحمل الجنوبيون النحاس والعاج والحديد ليبدلوه نسيجا وملحا وأواني للزينة عند الشماليين.
وتأتي بعدئذ فترة الضعف والعزلة التي فرضت على المغرب أن ينكمش داخل حدوده، ويأخذ في علاج الجراحات الداخلية التي عمقها الغزاة، وفي تدارك التدهور وتفادي السقوط.
وتنطلق حينذاك جحافل الأروبيين -بعد أن قلت شوكة جبهة إفريقيا الأمامية -تقتسم الغنائم، وتنزل جيوشها هنا وهناك محددة لنفسها مجالاتها الحيوية، وتمعن في القتل والإحراق والإبادة الجماعية، والتجويع ونشر الأوبئة الفتاكة، ثم تأخذ في اصطياد الإفريقيين كما تصطاد الوحوش وإرسالهم إلى أمريكا للعمل كرقيق للبيض، وفي البحث عن الإمكانيات المعدنية والحيوانية والنباتية تسلبها لأصحابها الحقيقيين وتدخل ريعها في جيوب السيد الأوربي.