ولم يكتف سارتر بذلك بل شارك في العريضة التي وقعها مائة وواحد وعشرون أديبا من الفرنسيين لتأييد الشباب في رفض قانون التجنيد.
يضاف إلى هذا كله المقررات التي صوت عليها المجلس الوطني للسلم Le comité national de la paix ونقابات المعلمين والعمال، والتي تطالب بوضع حد للمأساة الجزائرية والاعتراف بحق تقرير المصير .. إجماع شامل من جميع الطبقات وعلى اختلاف الاتجاهات يطالب بمحو عار فرنسا في الجزائر .. فإلى أي حد تستطيع المشكلة الجزائرية أن تؤثر على الأدب الفرنسي؟
الواقع أن نوع التأثير سيكون إيجابيا إلى أبعد حد لأن الأزمة الجزائرية ستؤكد للأدباء والفنانين والمفكرين مرة أخرى أن تخليهم عن رسالتهم القيادية وإهمالهم الدفاع عن المثل الإنسانية التي نبعت من ثورتهم المقدسة معناه اضمحلال فرنسا وتشويه قيمها وحرياتها.
وهذا النوع من التأثير قد ظهرت بعض بوادره فقرأنا مذكرات صريحة لفرنسيين أحرار عاشوا التجربة المريرة في الجزائر فكتبوا يفضحون الأساليب اللاإنسانية المتبعة لإبادة شعب أعزل، ومن ذلك ما كتبه هنري اليغ تحت عنوان: جلادون. وما كتبه سارتر بعنوان: عارنا في الجزائر. وكتاب حرب الجزائر لجيل روي ( Jules Roy) ... وكلها صفحات مشرقة تعيد للفكر الفرنسي اعتباره.
ونشرت أيضا بعض القصص لأدباء فرنسيين صوروا فيها انطباعاتهم عن الحياة التي يعيشها الإنسان الجزائري نهبا للقلق والضياع والجوع والاحتقار، من ذلك قصة «دريس» ( Dris) للكاتبة الشابة «جانين اوربانو»، وقصة زيتون العدالة ( Les oliviers de la justice) لجان باليكرى.
ولعلنا ندرك أهمية التأثير من خلال الموقف الإيجابي الذي اتخذته في هذه الأيام الكاتبة فرانسواز ساجان التي عرف عنها اهتمامها بقلقها الذاتي وبتصوير الجوانب العبثية لجيلها .. هذه الكاتبة قد أدركت أخيرا أن الحرية كل لا يتجزأ وأن الحرية أوسع من المفهوم البسيط الذي يحصرها في نطاق مجتمع واحد، فكتبت مقالتها الرائعة بمناسبة اعتقال جميلة بوباشا منددة بالطغيان وبخنق الحريات.
وأنا أعتقد -إلى جانب هذا التأثير - أن انعكاس الأزمة الجزائرية على الفكر الفرنسي سيتخذ طابعا أخلاقيا في أوسع معنى لهذه الكلمة أي أنه سيدفع الأدباء والمفكرين إلى إيقاظ الضمائر الغافية وإلى مراجعة القيم ومحاولة القضاء على التناقض الحاد الذي يتوزع الشعب الفرنسي ويجعله حائرا مترددا بين الحالمين بعهود الإمبريالية والعظمة الجوفاء، وبين الطليعة الواعية التي تعيش عصرها وتؤمن بإمكانيات الشعب الفرنسي في خدمة الحضارة وحماية الحرية.
وإذن فيمكن أن نقول أن المشكلة الجزائرية كحدث حياتي ضخم بالنسبة للشعب الفرنسي قد أصبحت -أكثر من أي وقت مضى- محكا للطليعة المفكرة والجماهير الشعبية لتبرهن عن وعيها وعن قدرتها الاستمرارية في حماية القيم الإنسانية. وأن هذه الإرهاصات الأدبية في فرنسا بالإضافة إلى ما كتبه أدباء أحرار مثل برنارد شو وتوم بين وريتشارد رايت وجان بول سارتر، وبالإضافة إلى ما كتبه أدباء الطليعة في آسيا و إفريقيا ... كل هذا الإنتاج يؤكد لنا أن عصرا أدبيا قد دخل في مرحلة التبلور يمكن أن نسميه: «أدب الثورة الإنسانية على الاستعمار».