أفكاركم وتتضح آثارها في نظريات مفكريكم وفي أعمالكم. لأن صفات الكلية والعالمية ترمق تاريخكم بأكمله.
فقد كان البحاثة الأوائل لديكم يقبلون بولع على جمع معارف زمانهم كلها دفعة واحدة. أما أعمال المتخصصين المعاصرين في العصور الوسطى فإنها زادتها معرفة بتلك القفزة الرائعة التي حققها شعب بأكمله في ميدان العلم. لقد كان هذا الوضع منصبا على المعرفة الكلية الشاملة. ومن أين لنا لولا ذلك، هذه المؤلفات الغزيرة التي تناولت جميع النواحي، دون أن يستغرق إصدارها وقتا طويلا؟ إنها في الواقع مجموعات ضخمة من التقاليد، فهي تضم مختارات تقارن بين المدارس الشرعية وتضم قواميس تعرف باسم «المحيط» لاتساعها، كما تضم مجامع من العلوم الإغريقية ومؤلفات في الجغرافيا وروايات عن رحلات تصف العالم الذي كان معروفا في ذلك الوقت. إن حضارتكم القديمة هي في الواقع حضارة كلية شاملة كما أنها هي نفسها التي نقلت الإحساس الذوقي إلى أوروبا إبان العصور الوسطى.
كانت حضارتكم تهتدي بالبحث في الطبيعة كما تهتدي بالوحي في اكتشاف نظام للعالم، وكانت تتلهف على جمع معطيات العلم الإغريقي المبعثرة. وقد امتدت بحوثها حتى أراضي ما بين النهرين والهند وما وراء الهند نفسها محققة بهذا الحكمة التقليدية القائلة «أطلب العلم ولو في الصين». وكان كافة المفكرين لديكم من المحيطين بعلم الفلك والشرع والأدب والفيزياء فإذا كنت أشرت من قبل إلى ابن طفيل كفيلسوف ومرب، كان علي أن أنوه به أيضا كعالم موسيقي ورجل من رجال الدولة. ومن الممكن في الحقيقة العثور على أروع مثال عن التطلع العلمي الكلي الشامل لدى ابن خلدون الذي جمع بين صفات المؤرخ والفيلسوف والسياسي ورائد علم الاجتماع. كما يمكن إيجاد مثل ذلك أيضا في شخص ابن رشد الذي كان قاضيا لقرطبة وطبيبا للمغرب. وقد كان اسم ابن رشد خلال سنوات طوال مقرونا بفكرة التأليف والتركيب في الفلسفة، تلك الفكرة الحية التي تربط الآن بين آثار ارسطاطاليس وبين النقد الحديث. أما الكتاب الطبي الكبير الذي ألفه ابن رشد فقد تمت ترجمته في البندقية خلال عام 1490 بعنوان يطابق عنوانه الأصلي العربي: «الكليات».
على أن هذه الإرادة الكلية العالمية لم تكن لتجد تأكيدها يمثل هذه القوة لو لم يكن المغرب قد وجد نفسه خلال حقبة من حقبات تاريخه الفاصلة عند مفترق الطرق الرئيسية المؤدية إلى رحاب الثقافة. ومن هنا كان بلدكم مركزا من مراكز الحضارة التي تعرف باسم الحضارة الأندلسية أو الحضارة الإسبانية المغربية. فثقافات الشرق والغرب لم تعرف اتحادا مثل هذا الاتحاد الذي وجدته في أحضان الحضارة المذكورة بشكلها التأليفي الكامل الغني بثمراته. أما الاختلاف في الطبائع أو الأديان أو حتى اشتعال الحروب نفسها فلم يستطع أن يسد المنافذ التي تنبعث منها هذه الحضارة. كانت كل هدنة يتم الاتفاق عليها فرصة للتبادل الثقافي. وأشير في هذا المجال إلى مثل واحد من بين أمثلة عديدة، يتصل بمكتبتكم التي وسعت من رفوفها الخاصة لاستقبال مجموعات الكتب العربية الهامة التي قدمها دون سانشي ملك اسبانيا بمناسبة الهدنة التي جرى الاتفاق عليها خلال عام 1285. وعلى هذا النسق كانت المؤلفات الأدبية والعلمية تنتقل على الدوام بين المغرب واسبانيا. وقد أصبحنا اليوم نعرف معرفة كاملة القسط الوافر الذي ساهم به أجدادكم في الحضارة الأندلسية التي انتقلت بأجمعها إلى البلاد المغربية فيما بعد. كان تأثير أعمالكم يبلغ كافة المجالات، من الحضارة المادية إلى تأملات الرياضيين والصوفيين المجردة، فتشمل مقدمات العلوم والتقنيات الجديدة والأشغال العامة تعبيد الطرق وتشييد الجسور والمستشفيات وإنشاء المصانع المختلفة واستحداث طرق التجارة وترقية الآداب الاجتماعية حتى الأزياء بل وآداب المائدة.
أما التأثير المتسم بالرفعة والعمق فنجده في المجال الفني المتمثل في الفن المعماري وفنون النقوش والزخارف، ونجده في المجال الموسيقي في الأغاني العميقة التي ما تزال تطبع أغاني الأندلس بطابعها المعروف حتى الآن ونجده في المجال الموسيقي في الأغاني العميقة التي ما تزال تطبع أغاني الأندلس بطابعها المعروف حتى الآن ونجده كذلك في الشعر الغنائي الذي رأى فيه بعض البحاثة مصدرا من مصادر المشاعر العاطفية الغربية عند دراستهم للعلاقة القائمة بين أدب الغزل في لغة جنوب فرنسا التي كانت منتشرة وقتئذ.
وهكذا كانت مدينتكم من الأماكن الخالدة بفضل هذه الثقافة. ذلك لأن الروابط الثقافية لم ينفصم عراها مع إسبانيا حتى بعد سقوط مملكة غرناطة. وكانت مدينة فاس تستقبل العلماء والكتاب الذين كانوا يفدون إليها من الأندلس أو من الشرق الإسلامي.