أصل التعليم الذي ينبني عليه مما يحصل بعضا من الملكات وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات، وعلى حسب الأساس وأساليبه يكون حال ما ينبني عليه. انتهى. وعلى هذه الطريقة درج أكابر علماء المسلمين الذين ضربت بعلومهم الدينية الأمثال وإلى القارئ الكريم ما ذكره الإمام الشافعي عن بداية تعلمه بحفظ القرءان فقد روى ابن عبد البر عن الحميدي: قال محمد بن ادريس الشافعي: كنت يتيما في حجر أمي فدفعني إلى الكتاب، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن اخلفه إذا قام، فلما ختمت القرءان دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني اشتري به قراطيس، فكنت إذا رأيت عظما بلوح آخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديما. انتهى. وكذلك ذكر الحافظ بن العربي طريقه تعليم الولدان في الأندلس فقال: وصار الصبي إذا عقل وسلكوا به أمثل طريقة لهم علموه كتاب الله تعالى ثم نقلوه إلى الأدب ثم إلى الموطأ ثم إلى المدونة إلى آخر ما قال. وبالجملة فإن أساس التعليم الإسلامي الذي يبلغ العلماء درجة التضلع في الشريعة المحمدية والتفوق في اللغة العربية إنما يقوم على مدارسة القرءان قبل كل شيء، وكذلك دراسة الأحاديث التي تبين مجمله، وتوضح مراميه ومقاصده وتستقل أحيانا بتشريع جديد.
ولن تكون الإمامة في الدين إلا كما نشأت في الماضي على هذا الأساس المتين وأن الجامع الأزهر الشريف ليتبوا الآن بسبب محافظته على شخصيته الفذة في التاريخ مكانة الصدارة بين معاهد الأمم الإسلامية شرقا وغربا، وذلك لمزيد اختصاصه بالعناية بالقرءان والحديث وعلومهما، وباللغة العربية كذلك، ونرجو أن تتبوأ القرويين مكانتها في التاريخ بفضل رعاية جلالة ملكنا الصالح لها حتى تبقى لها شخصيتها التقليدية، وتقوى موادها الإسلامية إلى جانب العلوم الحديثة لتؤدي رسالتها الخالدة، إذ لا يخفي أن التضلع في اللغة العربية رهين بمدارسة أساليب القرءان وحديث سيد البلغاء الذي أوتي جوامع الكلم عليه السلام منذ الصغر، حتى يكون رصيد الطالب العلمي من هذه المواد موفورا، وبذلك ترقى ملكات العلماء في العلوم الدينية كما تسبق معارفهم ويجود إنتاجهم في اللغة العربية لغة الدين والوطن، ولقد سجل ابن خلدون بكل إعجاب تحسن أسلوب الأدباء الذين مارسوا أساليب القرءان وأحاديث الرسول عليه السلام حيث قال في مقدمته: أن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها من كلام الجاهلية في منظومهم ومنثورهم. فإنا نجد شعر حسان بن ثابت وعمر بن أبي ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وغيلان ذي المة والأحوص وبشار ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية وصدرا من الدولة العباسية في خطبهم وترسيلهم ومحاورتهم للملوك أرفع طبقة في البلاغة من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبدة وطرفة بن العبد، ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاورتهم، والطبع السليم، والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما، لكونها أي تلك الطبقة من الكلام ولجت في قلوبهم، ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم، وارتقت ملكاتهم في البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقا من أولئك، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة، وتأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والتبصر بالبلاغة. انتهى.
وبناء على هذا نرى أن الترحيب في المعاهد الدينية بالشبان البررة الذين حفظوا القرءان وأن وقع التساهل معهم في السن إنما هو تقدير لمن يحمل في المستقبل لواء اللسان العربي المبين، ومشعل الهداية المحمدية القرءانية في هذا البلد الأمين، لتؤدي معاهدنا الدينية رسالتها الروحية الخالدة والله ولي المتقين.