والرقي والمواضة ويلزمه أن يجعل نصب عينيه دائما إن سيسأل أمام الله عن ذلك كله.
وعلى الدولة يقع واجب تصحيح مفهوم الحضارة والرقي لدى الشعب، وتعديل الصورة المرتسمة في عقول رعاياها للإنسان المتمدين والتي تجعلهم يرون في الأوربي والأمريكي المثال الأوحد للرجل الراقي ويعتقدون كل خروج عن سنة الحياة الأوربية أو الأمريكية وكل مخالفة لسلوكها الفردي وتصرفهما الاجتماعي إنما هو ابتعاد عن المدينة والرقي، فيلزم رجال الدولة أن يسخروا جميع الوسائل والإمكانيات لإبراز محاسن ومساوئ الحضارة ومجالي سموها ورفعتها فيتعين عليهم أن يبعثوا أجهزة الإذاعة والصحافة والسينما والمسرح للتبشير بهذه الحقائق ولإفهام المواطنين وإقناعهم بان الرجل الراقي ليس هو كل من يسكن مسكنا فاخرا ويلبس لباسا أنيقا ويمتلك سيارة من آخر طراز ويرتاد السينما والمراقص والمحافل والملاهي فان هذه الأشياء كلها تتيسر لكل ذي مال وان المال قد يؤتاه السافل والمجرم والخائن ومن يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما يتعين عليهم أن يبينوا لهم بكامل الوضوح أن الإنسان الراقي هو الكثير الإحسان إلى غيره على اختلاف صور الإحسان وتعدد وجوهه التي تجمعها عبارة التصرف بالجمال ولا يجزئ الدولة أن تقتصر على تسخير وسائلها إمكانياتها بل أنه لمن واجبها أيضا أن تفرض رقابة صارمة على الصحافة والأفلام والكتب وجميع النشرات المحلية والأجنبية متوخية منع رواج كل ما يتنافى مع حركتها الإصلاحية هاته.
فيوم يتم ذلك للدول الإسلامية يومئذ تسترجع البلاد الإسلامية حريتها في العمل والتقرير ولا تبقى مجرورة خلف البلاد الأوربية والأمريكية، وبدلا من أن تظل مجرد حلقات في السلسلة التي تدور على عجلات مدفعية الحضارة المادية المخربة تتمكن يومئذ من أن تكون فيما بينها سلسلة تدير عجلات محراث يحرث سعادة الإنسان الخالدة محراث يحسن "حرث الآخرة".
هذه دعوة أو جهها الى كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها والى رؤساء الدول الإسلامية بكيفية خاصة مهيبا بكل ذي نفوذ وسلطان وبكل موظف مسلم في البلاد الإسلامية أن يتبع تعاليم الدين الإسلامي وان يعمل على إقامة حدود الله في دائرة اختصاصه وأخاطب ضمائر أرباب الأقلام أن لا ينحوا منحى كتاب الحضارة المادية المستهترين بالأخلاق متوجها على الأخص إلى كتاب القصص والى الشعراء والأدباء ومنتجي الأفلام السينمائية أن لا يزينوا الفاحشة مذكرا إياهم بأنهم يحملون أوفر نصيب من الوزر المترتب على الانحلال الخلقي في البلاد العربية، أنه لا يجمل بأحدهم أن يثير الغريزة البهيمية ولا أن يغري باقتراف الزنى تحت قناع الحب والغرام ولا أن يسعى في حمل المحصنة على أن تصبح عشيقة رجل ثان فهو عندما يفعل شيئا من ذلك يخون الأمانة وينقض العهد فان رسالته على عكس ذلك تقتضيه أن يجعل من العشيقة خطيبة ومن الخطيبة زوجة صالحة وان يستدرج الزانية إلى أن تصير محصنة كريمة وأما رؤوما.
وما كان ليصرفني عن توجيه هذه الدعوة ولا ليصدني عن الجهر بها وتكرارها ما قد يجد فيها بعض الناس من بساطة وسذاجة أو رجعية فما كان الحق إلا بسيطا وان كانت الرجعية تعني الرجوع الى الله فأنا أول الرجعيين.
هذا علوة أنني لا ابتغي بهذه الدعة جاها ولا مالا ولا سمعة ولا شيئا من عرض هذه الحياة الدنيا حتى اهتم قليلا او كثيرا لأراء الناس فيها او أتملق بها حكمهم على، فغايتي الأولى والأخيرة من هذا الكتاب كله هي توجيه هذه الدعوة استكمالا لديني ولن يردني إسلامي لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل يسوغ لمن يغض طرفه عن المناكر التي يخم بها وسطه وعصره أن يعد نفسه مومنا وهو يقرأ تعريف المومنين ضمن قوله تعالى في سورة التوبة:" والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله أن الله عزيز حكيم". ويتلو تعريفا آخر للمومنين ضمن قوله تعالى في نفس السورة: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المومنين" ثم يتلو قوله تعالى:"كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله" ثم أخيرا يتلقى أمره تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون».