دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 .................... ص 34
ولهذا نرى المدينين يعتبرون بحق، أن إصلاح القلوب ونزاهة النفوس والإخلاص في العمل بطاعة الله وأداء حقوق عباده، ورعاية هذه الحقوق، هي التي ترفع من قيمة الأمة، وأن الطهارة الروحية هي منبع السعادة وراحة الضمير في هذه الحياة، وأن الاستعداد لحياة أخرى في عالم أرقى من هذا العالم لا يكون بغير تزكية النفوس على طريق هداة الإنسانية، أنبياء الله الذين عاشوا نموذجا مثاليا للكمال الإنساني، وأن المادة يجب أن تخدم الروح، لأن الروح أرقى وأرفع منها.
ومن جهة أخرى إن المتدين دائما يراعي الواجبات التي يفرضها دينه عليه مراعاة لا هوادة فيها، ومن ذلك مصلحة الوطن العليا.
وقد كانت شدة التمسك بالدين في عهد الإسلام الأول أهم العوامل في انتصاراته وفتوحاته، ولا زال كل ملخص لدينه، عامل بوصاياه ومبادئه، يؤدي لأمته أزكى الخدمات، ويبوئها أرفع الدرجات، وإن جل من فسدت عقيدته لابد أن تطغي مصلحته الخاصة على مصلحة أمته العامة، وبالخصوص على مصالح غيره من ذوي المئارب والأغراض، فتفقد الثقة منه ويتنكب النابهون عن إسناد أي أمانة إليه، وما أحسن وصية الحافظ ابن حزم في شأن المستخفين بالدين، فإنه قال: (ثق بالمتدين وإن كان على غير دينك، ولا تثق بالمستخف وإن أظهر أنه على دينك، ومن استخف بحرمات الله فلا تأتمنه على شيء تشفق عليه).
على أن الإسلام كبرنامج عملي إصلاحي للحياة الإنسانية، تنضوي تحت لوائه قرابة خمسمائة مليون أو يزيد، تؤمن بعقيدته وتقوم بتعبدها وفق عبادته، وتعمل بشريعته، وتتأدب بأخلاقه وآدابه، جدير وحقيق بأن يدرس ويبحث من جديد، لأجل الاطلاع على مزاياه، وكشف أسرار هدايته وعناصر خلوده، كهدية كبرى إلاهية للإنسانية عامة ولأمة الإجابة خاصة والله ولي التوفيق.
خير ما يصنع
سئل الفضل بن يحيى وزير الرشيد: ما خير ما يصنع المرء إذا أقبلت الدنيا عليه وإذا أدبرت عنه؟.