دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 .................... ص 28
بِأَيِّ مَشيئَةٍ عَمرُو بنَ هِندٍ تُطيعُ بِنا الوُشاةَ وَتَزدَرينا
تَهَدَّدنا وَأَوعِدنا رُوَيداً مَتى كُنَّا لِأُمِّكَ مَقتَوينا
ولكني أرثى للهزال في مدارك أولئك الذين لا يرون في هذا الشعر سوى رجل يتبجح بما يخرق أصول اللياقة، ماذا؟ ألا ترون معي أن هنا صوت إنسان عربي، أو صوت إنسان إذا شئتم، يتحدى ملكا يعتبر الناس عبيد أمه؟ ونحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه الروح الأبية نغذي بها قوميتنا، فنحن إذا نحفظ هذا الشعر ونتشبع به ونترك اللياقات الرخوة لرجال من جفصين.
وأما فيما يتعلق بالوحدة في القصيدة فإننا نوجب رعاية هذا الشرط في شعرنا الحديث شرط أن لا يفهم به أن القصيدة ينبغي لها أن تكون كالمقالة، فالقصيدة شيء والمقالة شيء آخر، وحين لا يفي الشعر بأكثر من المقالة فليعف الشاعر نفسه من عناء النظم. ووحدة السياق لا تبرر حتى في أدق أجزاء العمل الشعري أن ندخل كلاما ميتا بحجة أنه جزء من كل أو قطعة في بناء. وقد أخذت على أحد شعرائنا المعاصرين ممن أتتبعهم لأني أحبهم وأحب مغامراتهم في تجارب الشعر الحديث، أخذت عليه قوله: «وشربت شايا في الطريق».
وزعمت أنه ككلام الميت، ولم يقنعني أن يكون شرب هذا الشاي قسما من تلك التجربة الشعرية التي عبر عنها الشاعر الصديق، ولم يقنعني أن لا حق لي باجتزاء هذه الشطرة الواحدة من بناء شعري بكامله. فقد اضطر المتنبي أن يقول إن جيش سيف الدولة الزاحف للقاء البيزنطيين بلغ بلدة سروج في الصباح الباكر، على أنه لم يرض إلا أن يعبر عن معناه بهذا النحو المبتكر:
فلم تتم سروج فتح ناظرها إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
فكان شاعرا.
وأما فيما يتعلق باتخاذ الترجمة معيارا لقيمة الشعر، نترجمه ثم نرى حصيلة ما يكون في أيدينا منه، فحسبي أن أطالب أصحاب هذا المذهب أن يدلونا على أثر شعري واحد في آداب الأمم، قد أمكنت ترجمته وحفظ عليه رونقه وسحره. وقد عرض الجاحظ لهذا النحو من التحكم في الشعر، فلم يترك مجالا لقائل حين قال: إن الشعر إذا حول سقط موضع التعجب، ونحن حين نريد إخضاع الشعر لهذا المقياس، مقياس ما يبقى منه إذا ترجم، ألسنا نسيء إلى عبقرية التعبير باللسان العربي، ولكل لسان عبقريته في التعبير، وهذا القرآن على أنه ليس بشعر كمألوف الشعر، فلنتخذ لنا منه الآية مثلا: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ? [النمل: 34]، ثم فلنعتبر أي روعة اكتسبتها الآية حين وقفت عند مقطعها الأخير ?وكذلك يفعلون?، ثم فلنعتبر أي طاقة تعبيرية تفقدها الآية إذا رحنا نقول: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وهذا دأب الملوك في كل زمان ومكان؛ فإذا كانت الآية قد فقدت هذا القدر من طاقتها التعبيرية بمجرد تحويل بعضها من اللسان إلى اللسان نفسه، فإني لا أرى كيف نستطيع أن نسلم باتخاذ الترجمة من لسان إلى آخر مقياسا لتقييم الشعر أو تقييم حتى الآثار الأدبية عامة.
وأما فيما يتعلق بالمفاضلة بين العامية والفصحى، فإننا نقول إن القومية العربية ينبغي لها في الأداء الأدبي أن تؤثر الفصحى، فهي لغتنا القومية العربية الجامعية، لا لغة إلاها، والذين يدعون للعاميات هم الذين يريدون فصم عروة حيوية من عرى وحدة القومية العربية، وما أحسبنا نريد أن نمشي في ركاب هؤلاء، والاحتجاج بأن الشعب لا يفهم الفصحى ذريعة ينبغي لنا أن نقضي عليها، ونستطيع أن نقضي عليها بتعليم الشعوب العربية لغتها الفصحى الجامعة، وإننا لن نستطيع أن نبني قوميتنا العربية الجامعة إذا أذنا بأن تصبح العاميات وسيلة الأداء الأدبي، ومن كان يرى في الفصحى نقصا فعليه أن ينتظر حتى يستكمل بناء القومية العربية الجامعة، ثم يدعونا إلى لغة عربية عامية شرط أن تكون واحدة؛ وحدة اللغة: هذا هو المهم فلا قومية بلا وحدة في اللغة.
وأما فيما يتعلق برد خصائص الأدباء إلى أصلهم الجنسي قبل الاستعراب، فإننا نقبله حين يقبله العلم، وحين لا يراد به شعوبية ترمي إلى جحد فضل العرب بتجريدهم من كل من جمعت قافلة أدبهم في عصور تاريخهم. والعلم حين ندرس أديبين كابن المقفع وابن الرومي مثلا يثبت أنهما مدينان في خصائصهما لهذا العصر العباسي الذي كان بحسناته وسيئاته مرحلة من المراحل في تاريخ الأدب العربي، ولا تكفي فارسية ابن المقفع ولا يونانية ابن الرومي لتفسير عبقريتهما، وإنما يستطاع تفسير عبقريتهما في حدود هذا العصر العباسي الذي تلاقت فيه تيارات متعددة من عربية وفارسية ويونانية وهندية وإسلامية ومسيحية ومجوسية وغيرها وتفاعلت لتؤلف الثقافة العباسية.