الديوان بمقدمة شرح فيها بإسهاب الأسباب التي جعلته يقحم هذا الميدان وينشر في هذا الصدد إلى أن السلطان أبا العباس المنصور الذهبي هو الذي كلفه بهذا العمل على عادته مع رجال الفكر من أهل دولته، وهو نفسه وضع له الخطة بعد أن هيأ له كل الوسائل وجمع له من الأصول والدواوين الشعرية ما لم يتهيأ لغيره، ثم يذكر أن بعض معاصريه به حاول هذه المحاولة ولكنه أخفق، وكأنه يعني بذلك معاصره الفشتالي الأنف الذكر ثم يحلل الأغراض الشعرية التي عالجها المتنبي، ثم ينتهي بترجمة الشاعر أحمد بن الحسين المتنبي، وهنا يجب أن نشير إلى أن الأديب الماغوسي هذا كان من العلماء الأفذاذ الذين كان لهم مكانهم المرموق في بلاط المنصور السعدي، لما كان يتحف به بين الفينة والأخرى الخزائن المنصورية من المؤلفات العلمية، والأبحاث التاريخية والأدبية ..
ويوجد على هامش الديوان تعاليق يرجع أكثرها إلى السرقات الشعرية التي كان يتهم بها المتنبي، والتي كان يجيب عنها فيقول: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربما وافق الخاطر الخاطر، كما يقع الحافر على الحافر، ولعل هذه التعاليق للمؤلف نفسه.
وقد قارنت هذا الديوان وما طبع أخيرا من الدواوين المشروحة وغير المشروحة حتى التي أضيفت إليها زيادات شعر المتنبي لعبد العزيز اليمني فألقيت فيه من القصائد والمقطعات الشعرية ما يربو على العشرين لا توجد في غبره من الدواوين على أن المؤلف نفسه يشير إلى ذلك في غضون الكتاب فيقول مثلا هذه قصيدة لم تثبت في أصل الديوان وثبتت النسخ المتداولة، وهذا شعر لم يثبت في الأصول المنتج منها وثبت في أصل كذا وهذه أبيات لو يروها أكثر الرواة، وجاءتنا من رواية كذا وما إلى ذلك من أوجه الرواية وصيغ الإسناد التي امتازت بها كتب الأقدمين، والتي كان لا بد منها في أخذ العلم وروايته حتى في الأدب والشعر، وكان من سنة السلف أن لا يقبلوا رواية شفوية أو مكتوبة إلا بسند يصلها بمصدرها لذا كانوا أصح منا علما، وأوثق فهما .. ولو أن الناس رجعوا إلى هذه السنة لوفروا على الباحث وقتا كبيرا، لخففوا عليه من عبئه الثقيل الشاق ومهما يكن من أمر فإن هذا الديوان الذي يحمل شتى المزايا جدير كل الجدارة بالنشر والتحقيق وأن المكتبة العربية أحوج ما تكون إلى مثل هذه الأصول التي كلفت أجدادنا ثمنا غاليا.
2) ورأيت الذين يؤرخون الأدب العربي على العموم، والأدب الأندلسي على الخصوص يضربون صفحا عن حياة الشاعر أبي البقاء الرندي خاتمة أدباء الأندلس (601/ 684) ولا يعرضون - لا في قليل ولا في كثير- لإنتاجه الفكري وحياته الأدبية حتى إذا جاء في كلامهم ذكره جاء عرضا، و أتوا به في غير موضعه، وأدرجوه في عصر غيره، وإذا حاولوا أن يذكروا شعره لم يتجاوزا قصيدته المشهورة التي بكى فيها الأندلس (الفردوس المفقود) وأبكى المشرق والمغرب، وكأنه لم يقل غيرها أو لم ينتج سواها ويمكن القول بأنه لولا هذه القصيدة لما عرف الناس الرندي كشاعر، ولما ذكر له ذكر في سجل التاريخ ونحن نستطيع أن نقول لهؤلاء أيضا: أن في المكتبة المغربية - عن حياة هذا الشاعر الذي جهله الناس، وجهلوا عنه كل شيء، ومن إنتاجه الفكري والأدبي ما فيه الغناء كل الغناء، ذلك: أن هناك عدة نسخ من كتابه (الوافي في صناعة القوافي) الذي سلك فيه مسلك ابن رشيق في عمدته، وسايره في ترتيبه وأكثر أبوابه وهو كتاب ضمنه فصولا مختارة في محاسن الشعر وآدابه، وأبوابا مختلفة في العروض والقوافي وهو إلى ذلك يضم نماذج حية، وصورا مشرقة من أدبه الرفيع، وأسلوبه الشيق، تتجلى فيه روح الشاعر، وعبقرية الأديب، وسمو الكاتب، وأنك لتجده يتصيد الفرصة، ويخلق المناسبة ليقول فيها شعرا أو ليكتب نشرا حتى إذا تصفحت الكتاب - تجمع لديك ما يشكل باقة من شعره، وما يرسم ألوانا مختلفة من نثره وإلى جانب ذلك فقد أورد فيه لأدباء مغاربة وأندلسيين شعرا كثيرا من ذلك قصيدة في الغزل للشاعر المغربي مالك بن المرمل وهي من عيون الشعر قال في مطلعها:
طاف الخيال بوادينا زارا *** إلا وواقع سرب النوم طارا
لا ذنب للنوم بل للعين تدفعه *** بل للحشا بل لمن حشا الحشا نارا
لا آخذ الله أحبابي بما صنعوا *** أن الجيب لمحبوب وأن جارا