تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

باستدراج الأمة للدمار نتيجة لشيوع أولئك المترهلين الذين يستلذون مباهج الحياة ويستطيبون الانغماس في الملذات غافلين عما وجب عليهم لمواطنيهم. ومن أخبث نفسا وأقوى شرا ممن يتخم على حساب جوع مواطنيه؟ ويتنعم على حساب حرمان أخيه الإنسان؟ أليست هذه الظاهرة من اكبر الفتن التي يصلى لهيبها الأخضر واليابس؟ «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة»

هذا وقد فطر الله الخليقة على الاحتراس من التعرض للعذاب، وطبعها على الأخذ بأسباب النجاة، فألهمها السعي وراء مطالبها المشروعة عن طريق العمل والاحتراف لتستحق أجرها من أيد المتمولين، وتكسر من شوكة المترفين وقد تعتبر المكايسة والتشاح في الأجور والاثمنة مظهرا من مظاهر الدفاع عن حقوق الأمة المشروعة، وليس العمل على رفع مستوى الشعب، وتأسيس الهيات الاجتماعية كصندوق التعاون الاجتماعي، وابناك القروض وغيرها إلا أداة لدفع عدوان المعتدين والحد من استغلال المترفين. «ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض» غير أن المفاسد تطغى على وسائل الحد منها، فلا الطبقة الشعبية بقادرة على إيقاف تضخم الثروات، ولا المؤسسات العمومية بكافية لمحو الفروق، ولا قانون الأجور وتوفير الحقوق للعمال بمستطيع أن يجثث أصل هذه المهلكة سيما مع ما تتعرض له البلاد من تدهور اقتصادي تتسبب عنه البطالة مما يوسع الهوة بين الطبقات، ويصبح معه للترف مدلول آخر عند العاطلين: هو عبارة عن التوفر عن المأكل والملبس في ابسط صورة له إذ الواقع أن العاطل الذي لا يجد لقمة خبز يطعم بها أهله وأولاده، فانه ينظر إلى منت يتوفر على لقمة الخبز نظرة عداء لما جبلت عليه النفس من أن لها الحق في أن تتمتع بما يتمتع به غيرها للشعور العميق بالمساواة في المنشأ والمصير. وهذا ما يسبب هذا السيل الجارف من المتسولين الذين يترجمون عن عدم الشعور الأغنياء بواجبهم حتى يتلافوا هذه المأساة، وذلك عن طريق ترويج أموالهم والمساهمة فيس مشروعات اقتصادية تعود بالنفع عليهم وعلى من أصبح عرضة للبطالة التي تزري بالأمة وتشين وجهها فحبذا لو فرضت الحكومة ضريبة على كل سلعة كمالية كالسيارات والثلاجات والثياب والأثاث الفاخر وكمقاعد السينما والمقاهي وعلى أن تؤسس بهذه الضرائب معامل ومصانع تشغل فيها من أصيب بالبطالة الناتجة عن سبب معقول كما تكون ملاجئ تطعمن فيها من تجهم له الدهر وحرمه من المأكل والمشرب وصلى الله على النبي الذي قال: ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم هـ.

كيف يسوس الولاة

كتب الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الملك بن مروان كتابا يخبره فيه بسوء طاعة أهل العراق وما يقاسي منهم، ويستأذنه في قتل أشرافهم فوقع عبد الملك بن مروان على هذا الكتاب بهذه العبارة: أن من يمن السائس، أن يتألف به المختلفون ومن شؤمه أن يختلف به المؤتلفون.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤٧٤