تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 .................... ص 19

الجزائر صاحبة المغرب بالجنب، وشريكته في المعتقد واللغة والعاد ومقادير التاريخ، وقد زكت شهرة جلالته بالحكمة والرفق والرغبة في حل المشكلات عن طريق المفاوضات الحرة -أقول زكت هذه الشهرة جميع أقواله وآرائه ورجحت كفتها عند ما نصبت موازين الأقوال والآراء، وهذا ما يعلل الموقف الأخير لحكومة واشنطون والأمم المتحدة الذي في صالح الجزائر، وليس في صالح الاستعمار كما يفهم من التصريح المشترك وقرار الجمعية العامة.

وكانت الرحلة من جهة أخرى نافعة جدا، فالمغرب اليوم على عتبة نهضة جديدة، وجلالة محمد الخامس هو واضع أسسها ومغذيها وراعيها، ومن الخير لها أن يزور بلدا ضرب بسهم مصيب في ميدان الرقي والتقدم، ومن الخير لها كذلك أن يكون مصحوبا بأفراد أسرته الكريمة الذين لهم من الأمة مكان الصدارة بحكم مركزهم السياسي وما يباشرون من مهام اجتماعية كبيرة، لقد وقفوا على عدد المنشآت، ما بين ثقافية واقتصادية وعسكرية واجتماعية، ودرسوا كثيرا من الأنظمة والقوانين ووسائل العمل، واعتبروا بالتجارب التي اجتاز بها الناهضون قبلنا، ومن المؤكد أن ذلك سينير أمامنا السبل المستقيمة في المستقبل ويجعلنا نسير فيها على بصيرة من الأمر لا متخاذلين ولا متعثرين.

وعلى الجملة، لقد كانت الرحلة من بدايتها إلى نهايتها نجاحا للمغرب مئة في المئة، وفوائدها لا يستوعبها مقال أو يغنى فيها حديث، وسيميط التاريخ النقاب قريبا أو بعيدا عما أسدى بها جلالة الملك محمد الخامس لأمته من العوارف وأولى من النعم، وما سيكون لها من آثار محسوسة في نهضة المغرب المترقبة، ولا يسع من رافق جلالته في هذه الرحلة، ولازمه بالغدو والآصال، واطلع على سني خصاله، وجميل أفعاله، وامتلاء قلبه الكبير بالنبل والفضل إلا أن يجدد الشكر لله عز وجل على أن وهب هذه الأمة ملكا رشيدا، وقائدا حكيما، يجد الراحة في التعب من أجلها، والمتعة في مواصلة السعي لترقيتها وإعلاء شأنها، وإلا أن يتمثل فيه بقول أبي تمام وهو به أجدر:

خليفة الله جازى الله سعيك عن جرثومة الدين والإسلام والحسب

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها تنال إلا على جسر من التعب

إن كان بين صروف الدهر من رحم موصولة أو ذمام غير منقضب

فبين أيامك التي نصرت بها وبين أيام بدر أقرب النسب

أمد الله في حياته، وأمتعه بنجاح مساعيه، وتحقيق أمانيه.

عز الأدب

قال حكيم يوصي ابنه: (يابني ... عز المال للزوال، وعز السلطان يومان يوم لك ويوم عليك، وعز الأحساب مآله الذهاب، وأما عز الأدب فلا يزول بزوال المال، ولا يتحول بتحول السلطان، وهو دائما فوق الأحساب والأنساب).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٤١