تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم نريد ان نشتط كما اشتط هؤلاء ففي ثقافتنا اصول دخيلة اخرى، وليس عيبا ان تتاثر ثقافة باخرى، وما من حضارة في الارض قديمها وحديثها الا كانت متاثرة بغيرها سلبا وايجابيا، ولعل مما يشير الى قوة الثقافة والى قيمتها من حيث مكانها والتطور والرقي، انها ذات قابلية في الاخذ من غيرها ودمج هذا الدخيل فيها حتى يصبح شيئا منها.

وقد حصل هذا في ثقافنتنا العربية الاسلامية، فالذي اصطلح عليه الباحثون من (الفلسفة الاسلامية) ان هو الا الشيء من هذا، فالفلسفة في كتب الغزالي وابن سينا والفارابي وابن رشد مزيج من ثقافتين، ولكن هذا المزيج له وحدته، وله طابعه وهذا الطابع لا يناى به عن الشكل العربي المسلم. وفي اعمال هؤلاء شيء مما يسميه الباحثون اليوم ب ( SYNHESE) ولا اريد ان اسرف في هذا الشق من الموضوع ذلك اريد ان اعود فاقول ان الذين ذهبوا الى تأثر الثقافة الاسلامية بالاغريق قد اطلقوا هذا التاثر على شعب المعرفة جميعها.

فالدكتور ابراهيم سلامة المصري يضع كتابا في بلاغة أرسطوا بين العرب واليونان يقول فيه: ان البيان العربي قد ابتدأ بالجاحظ وان بيانه قد اختلط فيه النقد مع القاعدة البلاغية، والتقت فيه عدة ثقافات. ثم بين لنا أن ابن المعتز قد عرض لبلاغة عربية المثل، عربية الاصطلاح، عربية المأخذ، ولو انه عاصر (قدامة بن جعفر) الذي اطلع على كتابي ارسطو (الخطابة والشعر) ولكنه جعل كتابه في البلاغة العربية وفي النقد الادبي عربيا أصلا في عبارات اصطلاحية لها دلالتها الخاصة من ناحيتها اللغوية، ووجد فيما قرره الجاحظ من المصطلحات ما اعانه على تقسيم كتابه، هذا التقسيم الدقيق الذي فرق بين الصنوف الخمسة الاولى للبديع وبين الصنوف الاخرى التي سماها بالمحسنات.

ثم تتبع الاستاذ سلامة ابن المعتز فيما يكون له شبه بالبلاغة اليونانية، فقرر أن ارصالة واضحة، وخطة ابن المعتز بالقياس الى خطة ارسطوا غاية في البساطة، بعيدة عن التحديد المنطقي الذي عرفه بها ارسطوا في تعريفاته. ثم قرر ان الشبه بينهما حاصل في خطة كل منهما، فكما ان اريسطو تتبع شعراء اليونان واستخرج من كلامهم بلاغته وفنه كذلك تتبع ابن المعتز شعراء العربية مسجلا في أشعارهم الموضوعات البلاغية.

ولكن الدكتور سلامة لا ينفي ان قدامة بن جفر قد اخد عن سطور -المعلم الاول- وتأثر بكتابي (الخطابة والشعر) ولكنه يعود فيقول: ان شخصية قدامة بقيت ظاهرة.

ولا بد لنا من ان نقول هنا شيئا، وذلك ان هؤلاء الذين يذهبون هذا المذهب ربما كانوا يطلقون الاقول قبل الرجوع الى المظان المعروفة وربما كان ذلك راجعا الى أنهم قد استقرت في اذهانهم فكرة الدخيل الاغريقي في جميع الوان المعرفة العربية، ومن اجل هذا يطلقون هذه الاقوال ثم يقدونها على الشكل الذي عرفنا. فكتاب (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر مادة في البلاغة العربية والنقد الادبي كما عرفه الاقدمون.

والمطلع على الكتاب لا يجد صعوبة في اكتشاف الحقيقة وهو ان هذا الكتاب عربي في شكله ومادته وترتيبه ومصطلحاته الفنية مصطلحات لغوية لا تختلف كثيرا عما وجدناه في (بديع) ابن المعتز.

وقد بين الدكتور سلامة ان العرب لم يتركوا انفسهم يندفعون في البلاغة اليونانية. التي جذبهم اليها (قدامة) وقد تعقبه (الامدي) في (الموازنة).

وتعقبه العسكري في الصناعتين وقال أن خطأه فاحش في كثير مما ذهب اليه، ولم يرض الجرجاني بما فعله ووعد في (الوساطة) أن يكتب في موضوع البديع.

ويبدوا أن الدكتور سلامة مؤمن بصلة البلاغة العربية بالبلاغة اليونانية، فقد قرر مع هذا أن هذا الاخذ لم تنقصه الفطنة ولم يغب عنه الذكاء العربي الذي تصرف فيما اخذ.

ونحن لا ننكر التأثر في هذا الميدان الذي لا ينصب على المادة والاصول وانما ينصب على الشكل.

فالأسلوب الجدلي والمحاكمات العقلية التي طبعت على كتب البيان ذات علاقة بالاساليب الدخيلة اليونانية في البحث ثم ان شيوع طائفة من الاصطلاحات راجع إلى هذا أيضا كالقول بالتجريد والقياس والإطلاق وغير هذا.

عرف العرب كتب ارسطوا فقد سموا (كتاب الخطابة) أو الفن الخطابي بـ (ريطوريفا)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٩٦