تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 65

الجزائر في طريق الاستقلال: ذكريات في حقل الثورة

لا يخامر العاقل أدنى ريب في أصالة هذه الثورة ومثانة دعائمها، وامتداد عروقها في أعماق ضمير الشعب. ذلك الشعب الذي آمن كأقوى ما يكون الإيمان بأعز مقدساته من دين وعروبة وقومية، فدأب على الكفاح بكل ما لديه من وسائل مادية أو معنوية، ولم يذخر وسعا في الوقوف أمام الغارة الصليبية الاستعمارية يصارعها فيصرعها، منذ وطئت إقدام الاحتلال الأجنبي ارض الوطن، حفاظا منه على تلك المقدسات، وذيادا عن ذلك التراث المجيد، وضنا بأمجاد التاريخية الخالدة أن تمنحي آثارها، آو يغرب إشعاعها في ارض عربية إسلامية عريقة.

لقد استطاع هذا العشب العربي الأبي أن ينازل قوى البغي والطغيان في أكثر من ميدان، طيلة قرن وقرابة ثلث القرن، مستهينا بالتضحيات الجمة في سبيل المحافظة على كيانه، والتشبث بميزاته الروحية والأدبية، عاملا دوما على إحباط مساعي العدو الحقود لمحقه وإبادة قوميته وجوده.

وهكذا رأينا أن أبناء الوطن بالأمس كما هم اليوم، لم يترددوا لحظة في الإقبال على الاستشهاد بقلوب مؤمنة ونفوس مطمئنة راضية، كلما دعاهم داعي الجهاد المقدس ونادى منادي الكفاح القومي من أجل صيانة عزة الأمة وكرامتها. نفس الأهداف والغايات المثلى التي يخوض الشعب الجزائري من أجل تحقيقها غمار المعركة، معركة التحرير منذ خمسة أعوام ونصف، وما فتئ يواصلها، مؤمنا بانتصار المثل العليا والعدالة الإنسانية، على قوى البغي والوحشية الاستعمارية التي وصمت فرنسا بوصمة الخزي والعارض في حربها الجزائرية، مؤمنا بأنه لابد من غلبة الحق للباطل، أن الباطل كان زهوقا ...

ومهما اشتدت وطأة النضال، وارتفع غبار المعركة وتلدبت السحب، سحب البارود والنار في سناء وطننا ينسينا كل ذلك أن نلتفت بين آونة وأخرى إلى الماضي البعيد أو القريب، لربطه بالحاضر والمستقبل، نلتفت إلى استلهام ذكريات عزيزة علينا، نستوحيها من ذلك الحقل الخصيب، حقل الذكريات الوطنية الثورية، لنجني منه باقات من أزهار الرجولة ورياحين البطولة - إن صح التشبيه - نقدمها تحية متواضعة لأرواح زمرة من رجالاتنا الميامين، الذين كانوا في طليعة أبطال الثورة على الظلم والفساد، واستشهدوا وهم يرفعون لواء الثورة عاليا، ويخوضون معركة التحرير الوطني ضد الاستبداد والعبودية.

يحتضن شهر نمارس بالنسبة لثورتنا ذكريات جليلة، تثير في نفوسنا مشاعر متباينة، وأحاسيس مزيجة من الألم والاعتزاز في آن واحد، الألم لسقوط نخبة من شهدائنا الأفذاذ في هذا الشهر، والاعتزاز ببطولتهم التي أضحت مثالا يحتدى، وقدوة قل نظيرها في تاريخ الأجيال ...

*

* *

وتعود بنا أول ذكرى في هذا المجال إلى جبال (الاوراس) الشامخة التي انطلقت منها أول شرارة للثورة العتيدة، التي تريد محو الفساد، والقضاء على الطغيان والاستبداد، واسترجاع كرامة بني الإنسان، وكان الذي أنذر نفسه للقيام بهذه المهمة الجسيمة، وتولى فتح هذا الباب التاريخي على مصراعيه، ليلجه شعب مصمم، عقد العزم على أن يبحث عن حريته في ظلال القنابل والمدافع حتى يجدها ويظفر بها، هو رجل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٣٢٧