دعوة الحق، س.3، ع7 /ابريل 1960 .................. ص 63
بمناسبة الاحتفال العالمي بذكرى مرور قرن ونصف على ميلاد شوبان: في خلوة شوبان
للأستاذ: محمد الصباغ
زار الكاتب في شهر غشت الماضي جزيرة بالما دي مايوركا، واغتنم فرصة وجوده بها، فزار بصحبة بعض شعراء وكتاب هذه المدينة «خلوة شوبان» التي تقع في قرية «بال دي موسى ( VALIDEMOSA) التي تبعد عن مدينة بالما ب 18 كلم، والتي عاش فيها شوبان لفنه وحبه للكاتبة جورج صاند. وقبل مغادرته لهذه الخلوة، طلب منه رفقاؤه الكتاب أن يكتب شيئا في دفتر الزيارات الخاص بالأدباء والفنانين. فلبى رغبتهم، وكتب افتتاحية القطعة الآتية. وها هو اليوم يرسلها على القراء بعد ما زاد فيهان مشاركة في الاحتفال العالمي لمرور قرن ونصف على ميلاد شوبان.»
فدريكو فرانسيسكو شوبان1 هكذا تسمى. آه! وفي الاسم نكهة الرماد، وعلة زهر الزعفران. واللقب يذكرني بسقوط أوراق الخريف واحدة واحدة، كما تسقط قطرات الأجراس فتتهشم على الأرض، أو كما تنتشر أزهار اللوز على صغار الأعشاب فتكتنفها بردائها الربيعي الموشى بالزقزقات، وما أن يهب النسيم عليها، حتى يبعثها من نعشها الأخضر صبايا يافعات.
أنطق باسمك خافتان وخافتا أعيده، فاستنشق رائحة الصندل المحروق، فأرى غزالا من حرير اصفر يقفز من نجمة إلى نجمة، ويعدو وراء القمر لاهثا، والقمر في انتظاره.
وأعيد نطقه جهرا، ولكن بعيني:
فدريكو ... ، ...
والصدى يرن غريبا موحشا فيضيء زوايا وحنايا خلوتك فتصحو ذكريات من جوف الغبار، وتفرك عينيها من نوم طويل.
صدقوني. لولا شعوري في ذلك الحين، بان خيالي باقة من الأزهار الطويلة ممتدة في الهواء، وأن قدمي جدران من شجر الزيتون، متغلغلان في باطن الأرض، لما استطعت أن أرى هذه الذكريات، وألمسها بجناح خيالي.
ما زالت أغصان الأشجار تهتز وهي مثقلة بندى الألحان، وعليها صغار الطيور قطرات الموسيقى، وتبلل بها حناجرها. وهذه الساقية التي تغسل فيها الخلوة ظلها، قد أصبحت شاحبة كذوب السنابل، تتعثر في طريقها وتسعل سعالا مخنقا. وكلما وقعت عيناي عليها أقول في الحال: الآن ستختنق. وأمد أصابعي في الهواء، في قلب ومشاعر هواء هذه الخلوة - دون شعور مني - فالمس لحنا شيخا، ضريرا تائها في غابات الهواء وأدغالها يطلب لنفسه مخرجا ولا مخرج له.
كم آلمني هذا الشيخ الضرير الذي لم ير النور في مقطوعتك الأخيرة التي لم تنهها يا فدريكو فولد يتيما،
) ولد في فرصوفيا (بولونيا) بتاريخ 22 فبراير 1810. وتوفي بباريس في 17 أكتوبر سنة 1849.