اكتسبنا عناصر جديدة بواسطة هذه النقول فلقد عرفنا أولا من أولاد عمر بن إدريس، محمدا وعبيد الله بالإضافة إلى ولده علي الذي فر في وجه «الخوارج6 الاباضية» وبالإضافة كذلك إلى إدريس والد يحيى الرابع الذي سلب الإمارة سنة 309. 7 وعرفنا ثانيا أن للإمام داود ابن إدريس عقبا تولى زمام الأمر بدوره في بعض الجهات من المغرب، ومن هذا العقب ولد لم يعطه اليعقوبي اسما لكن فيه ولدا ثانيا عرف تحت اسم حمزة. وعرفنا ثالثا وهذا مهم أنه في الوقت الذي كان يوجد فيه يحيى بن يحيى على «المدينة العظمى» (يعني عدوة القرويين) في هذا الوقت بالذات كان داود ابن إدريس ينزل (مدينة أهل الأندلس، وعرفنا أخيرا وهو أيضا مهم أن كلا من يحيى بن يحيى وداود بن إدريس كان يخالف على صاحبه ويناوئه ...
ولكي نلم بسائر النقول نعطف على كتاب «البيان المغرب في أخبار المغرب» لابن عذاري المكتوب سنة 602، فلقد ذكر9 أنه لما ولي الإمام يحيى بن محمد بن إدريس ولى (أي يحيى هذا) أعمامه وأخواله أعمالا فولى حسينا القبلة من مدينة فاس إلى اغمات وولى داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة وهوارة وصدينة، وولى القاسم غربي فاس: لهاته وكتامة، وتشاغل يحيى عما كان يحق له من سياسة أمره فملك أخواته أنفسهم واستمالوا القبائل، وقالوا لهم: إنما نحن أبناء أب واحد وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره فقدمهم البربر على أنفسهم تقديما كليا ... »
وبعد كل هذا هناك وثيقة أخرى تعتبر من الأهمية بمكان، وهي «الدرهم» الذي يوجدللإمام داود ابن إدريس بالمكتبة الوطنية بباريز. لقد استطاع أن يحتفظ بجل ما نقش عليه، وهكذا نقرأ على دائرته: «بسم الله ضرب الدرهم بواطيل (؟) سنة ... عشرين وميتين»، وفي سطحه وسطا: «لا إله إلا الله وحده/محمد/لا شريك له/ على» كما يوجد به على شكل هلال: «المنتصر بالله/محمد/ رسول الله/داود بن إدريس/على».
فمن خلال هذه الوثائق كلها، ومن خلال لوحة الأرز التي كشفت عنها أعمال الترميم، والتي نقشت على عهد الادراسة أقول من خلال كل هذا يتأكد أن الإمام داود ظل بالفعل - كما افترضنا سابقا - مسيطرا في تلك الفترة الغامضة من تاريخنا القديم أو بالحري مسيطرا في بعض منها، بل إننا الآن أمام وثائق تتضافر وبعضها يثبت أن مملكة داود كانت تشمل في وقت ما مسافات شاسعة، وأنها ابتدأت من حيث كانت بادئ الأمر من تازة وهوارة تاسلمت10 أو تامليت،11 ثم قصدت تدريجيا وجهة فاس ولأجل أن نتبين بوضوح ينبغي أن نرسم أمامنا سلما لبني إدريس الأولين مقرونا بتاريخ الوفاة المحفوظ حتى نستطيع أن «نحصر» فترة سيطرة الإمام داود «المحتملة» على مدينة فاس:
يتضح من كل هذا أن تقسيم المغرب سنة 213 الذي تجدد بعض الشيء منذ الحركة الهوجاء التي قام بها عيسى بن إدريس حيث اتسعت منطقة عمر بن إدريس - كما هو معلوم - بالاستيلاء على حظ أخوية القاسم وعيسى، أقول أن ذلك التقسيم لم يكن تقسيما حقيقيا أي أن السلطة المركزية ظلت في فاس، وظل «النواب» نوابا بيد أنه أثر موت الأخ الأكبر محمد بن إدريس سنة 221 استأثر كل واحد بإماراته على سبيل الاستقلال فيما يظهر، وبهذا نفسر وجود نقود للمنتصر بالله الإمام داود ابن إدريس بتاريخ يتراوح بين 221 وبين229، ثم بعد أن انتصب الإمام يحيى قام من تلقاء نفسه بتقسيم جديد بين أعمامه وأخواله، وفي صدرهم الإمام داود الذي
) القرطاس طبعة الرباط الجزء الأول ص 113.
) المصدر السابق ص 117.
) ص 122 المصدر المذكور.
9) ص 211 طبعة هولاندا
10) L a Voix, catalogue des Monnaies Musulmane de la Bibliothèque Nationale, page 69 N 921
11 ) المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب للبكري ص124.
12) ابن عذاري المراكشي الجزء الأول ص 229 طبعة بيروت.
13) يملأ الأستاذ دفيردان - في حديث له حول الموضوع - الفراغ الموجود قبل عشرين «باثنتين»
Mélange d'histoire et d'archéologie. Tome II Page 72.