قيمها بعض المؤرخين من المستعمرين بنكسة ألف سنة في تاريخ الحضارة. فلعشاق البحث من المؤرخين لنتاج الفكر ومجال واسع في مكتبة «الايسكوريال» الغنية بالمخلفات العربية وبالكتب المنقولة عن أصول عربية. وما القصد من هذا المقال إلا الإشادة بالبادرة التي صدرت عن ملك قشتالة فلقب بالحكيم مدرجة في عرض تاريخي موجز لتلك الفترة الفاصلة بالقياس إلى الوجود الإسلامي بالأندلس أولا وبالقياس إلى ما كان لها من إشعاع بدد ظلمات القرون الوسيطة التي كانت أوربا النصرانية تائهة فيها لنخلص من خلاله إلى عبرة نستنتجها من مقارنة لا تخلو من مفارقات.
فإذا كانت السلطة السياسية للمغرب متحررة الآن كما تحررت السلطة السياسية لاسبانيا عقب انتهاء حملة الاسترجاع وسلمنا جدلا بمشروعية تلك الحملة وما صحبها وأعقبها من قمع وتشريد للاسبانيين الذين دخلوا في الإسلام فثبتوا عليه وكانت لغته في حاجة إلى تعهد ورعاية يعيدان إليها سالف مجدها لا في طور التكوين والنشوء كما كانت اللغة الاسبانية آنذاك فمن الخير له أن يقتفي اثر تلك البادرة الحكيمة لملك آمن بأن كيان الدولة لا يكون متينا ما لم يكن له سند من الثقافة. وإذا كانت اللغة القومية للمغرب لغة مشتركة بينه وبين الأقطار العربية الأخرى كما أصبحت اللغة الاسبانية مشتركة بين اسبانيا والجمهوريات الأمريكية العشرين منذ اكتشاف الاسبانيين للعالم الجديد في نفس السنة التي سقطت فيها مملكة بني نصر بغرناطة في أيدي «الملكين الكاثوليكيين» فللمغرب بحكم موقعه الممتاز على البحرين اللذين تلتقي عندهما معظم حضارات اليوم ما يؤهله للقيام بنفس الدور الهام الذي من شأنه أن يعود بالخير العميم على الحضارة العربية المنبعثة إذا هو أخذ نفسه بنقل تراث اللغات الحية على لغته القومية وعرض هذه الأمانة على الكفاة من بنيه الذين لهم الخبرة المتوازية العميقة بإحدى اللغات الحية على الأقل بالإضافة إلى اللغة القومية لتصهر المعلومات والمدارك الحديثة في قالبها الأصيل.
إن المهمة السامية التي نهضت بها المدرسة الطليطلية المشهورة في القرن الثالث عشر مهمة نرى فائدتها تتجدد في هذا القرن بالقياس إلى المغرب إذا هو أراد إحياء ثقافته وتطعيم تراثه القيم بما جد خلال القرون الأخيرة في العلوم والفنون والآداب جميعا بمختلف اللغات. ولقد اقترن تاريخ المغرب بخدمته الموصولة للثقافة فكان سجلا ذهبيا بفضل ما نشر من الهدى وأشاع من العرفان.
ولن يكون مستقبله حافلا بالمكرمات إلا إذا أعاد سيرته الأولى. ومن الحكمة الإخلاص للماضي مع الاعتزاز به والاهتمام بالمستقبل مع الاستعداد له إذا أردنا أن يكتبنا التاريخ في زمرة الحكماء ...
طلب الحلال جهاد
إن الله يحب أن يرى عبده تعبا في طلب الحلال لأن طلب الحلال جهاد
حديث شريف