ولا أمل للأمم الضعيفة إلا في هذا المنهج. ولا مستقبل للأمم - التي تؤمن بالمبادئ وتحتضن الدعوات - إلا في هذا المنهج.
ولنفهم هذا المنهج وقوته وفضله ونتائجه الباهرة للعقول نرجع قليلا إلى الماضي ونستوحي «الصحف الصادقة».
يولد موسى في مصر في بيئة قاتمة خانقة قد انطبقت على بني إسرائيل كل الانطباق وسدت في وجوههم المنافذ والأبواب، حاضر شقي ومستقبل مظلم، قلة عدد، وفقر وسائل، وذلة نفوس، عدو قاهر، وسخرة ظالمة، لا قوة تدافع ولا دولة تحمي، أمة مصيرها معلوم محتوم، قد خلقت للشقاء والفناء.
ويولد موسى وولادته وحياته كلها تحد لفلسفة الأسباب ومنطق الأشياء، أراد فرعون أن لا يولد فولد، وأراد أن لا يعيش فعاش، يعيش في صندوق خشبي مسدود، وفي ماء النيل الفائض، وينشأ في حضانة العدو ورعاية القاتل، ويجد به الطلب القوي الساهر، فيفلت وينجو ويأوي إلى ظل شجرة كئيبا غريبا فيجد الضيافة الكريمة والزواج الحبيب ويرجع بأهله فيلفه الليل المظلم والطريق الموحش وتتمخض زوجه فيطلب لها نارا تصطلى بها فيجد نورا يسعد به بنو إسرائيل ويهتدي به العالم، يطلب النجدة والمدد لامرأة واحدة فيجد النجدة والمدد للإنسانية كلها ويكرم بالنبوة والرسالة.
ويدخل على فرعون في أبهته وسلطانه، وفي ملئه وأعوانه، وهو المطلوب بالأمس قد تحققت عليه الجناية وتوجهت إليه الدعوى، وفي لسانه حبسة وفي موقفه ضعف، فيقهر فرعون وملأه بدعوته وإيمانه وحجته وبيانه، ويلجأ فرعون إلى سحرة مصر ليقهر بفنهم معجزة موسى التي ظنها فنا وسحرا، فإذا بالسحرة خاضعون خاشعون يقولون «آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ» [الأعراف: 121 - 122].
ويؤمر بالخروج ببني إسرائيل والإسراء في الليل من أرض الظلم إلى أرض النجاة ويتبعه فرعون بجنوده، ويصبح موسى والبحر أمامه والعدو من ورائه، ويخوض البحر فينفلق ويكون كل فرق كالطود العظيم، ويعبر موسى وقومه ويتبعهم فرعون بجنوده فيلتهمهم البحر الهائج.
وهكذا يهلك فرعون وقوته الأقوياء الأغنياء، ويملك بنو إسرائيل الضعفاء الفقراء «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ».1
ما هي القوة التي قهر بها موسى أعظم قوة في عصره ومصره، وما سر انتصار بني إسرائيل على أعدائهم، وما سلاحهم الذي واجهوا به العدو القاهر الكاسر وأخضعوا به المحيط الخانق الثائر؟.
اقرأ قصة موسى - في القرآن - من جديد تر أن السلاح الذي واجه به موسى فرعون وانتصر به بنو إسرائيل وبنوا الإمامة والزعامة في مصر وحولها هو «الإيمان» و «الطاعة» و «الدعوة إلى الله»، ويتجلى هذا الإيمان وهذه الطاعة والدعوة في ثنايا القصة ومطاويها، وقد تجلى هذا الإيمان النبوي في دعوة فرعون وقومه وبه تغلب موسى على حجاج فرعون ودهائه، هو يريد أن يشغله عن موضوعه ويثير عليه الملأ وهو ثابت على دعوته ثابت في إيمانه لا يتزعزع ولا يتزلزل، ولا يتحول ولا يتغير، قال فرعون «وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ. قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ. قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» 2
ويسأله فرعون عن الأجيال التي مضت، وهو موضوع شائك وسؤال محرج، ولكن موسى يتغلب على دقة الموقف بإيمانه الراسخ وحكمته النبوية فيقول: «عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى» ويفيض في الحديث عن الإله الواحد - الذي يفر منه فرعون - فيقول: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى» 3
وتجلى هذا الإيمان في أبرز مظاهره لما رأى موسى أمامه البحر المائج ومن ورائه العدو الهائج فلا متقدم ولا متأخر وهو وقومه بين طبقتي الرحى ويناديه بنو إسرائيل في جزع وفي فزع «قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ».4 ولكنه ثابت الجأش قوي الإيمان يعرف أن الله ناصر عبده ومنجز وعده يقول في صراحة وثقة: «كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ» 5
1) الأعراف 137.
2) الشعراء 23 - 28
3) طه 52.
4) طه 53.
5) الشعراء61
5) الشعراء 62.