دعوة الحق، س.3، ع 6 /أكتوبر 1960 .................. ص 79
قصة العدد: المعلّقة
للروائي الاسباني الكبير "بلاسطوا بيانييت"
تعريب الأستاذ: عبد اللطيف الخطيب
قضى «رفائيل» أربعة عشر شهرا بالسجن داخل خلوته الضيقة. ولم يكن عالمه يتجاوز تلك الجدران الأربعة ذات البياض الحزين كبياض العظم فأصبحت شقوقها وأغوارها مألوفة لديه وقارة في ذاكرته لا تفارقها بأي حال من الأحوال. أم الشمس فلم يكن يرى منها إلا ضياءها عندما يتسلل إلى الخلوة من خلال النافذة الموجودة في السطح وعبر القضبان الحديدية التي كانت تقطع عليه وحدة المنظر لزرقة السماء. ولم تكن أرض الخلوة تزيد على ثماني خطوات. غير أن «رافائيل» كان مصدفا في السلاسل التي كادت بعض أطرافها تلتحم بكعبيه فلم يكن يستطيع لثقلها وضجيجها حراكا.
كان الحكم قد صدر عليه بالإعدام. غير أن «رافائيل» كان يقضي الشهور تلو الشهور في تلك الخلوة كما لو كان مدفونا حيا ويتعفن كجثة متحركة في تابوت معمول من الطين بينما ينظر قضاة مدريد في وثائق الدعوى لآخر مرة. وكان أمام هذه المحنة يؤثر حلول وقت تنفيذ الحكم باجتثاث رأسه فينتهي كل شيء دفعة واحدة على أن يخلد في ذلك النوع من العذاب المهلك المهين.
وكان السجين ضيق النفس بالنظافة المتجددة كل يوم داخل الخلوة لما كان يحس من تسرب الرطوبة إلى عظامه إذ كان غسل الجدران والأرض يذهب بذرات الغبار فيحس بالوحدة الشاملة التامة. وقد بلغت حسرته لهذه العزلة مبلغا جعله يتمنى لو تسرب الفئران وقاسمهم شيئا من طعامه الضئيل وأجرى معهم ضربا من ضروب الحديث والنجوى. ولو هو وجد العنكبوت في جنبات تلك الخلو لنفق بعض الوقت في ترويضها والتلهي بها.
إن رجال القضاء لم يكونوا يريدون في ذلك القبر حياة إلا حياة «رافائيل» السجين. وكم يتذكر ذلك اليوم الذي أطل فيه طائر صغير من خلال الشباك كما لو كان صبيا عابثا لعوبا. وكان العصفور يشدو وهو المغرم بالضوء والفضاء كما لو كان يستغرب وجود ذلك الشخص النحيل الشاحب وهو يرتعش من البرد في منتصف الصيف على ما تدثر به من رث الثياب. ولعل العصفور قد ذعر لرؤية ذلك الوجه الذي بلغ شحوبه إصفرار الورق العتيق وخاف من تلك الهيئة التي تشبه هيئة الهنود الحمر ففر وهو يضرب بجناحية كما لو كان بريد التخلص من رائحة القبر والصوف العفنة من ثيابه الخلقية عندما تتسلل عبر الشباك.
ولم يكن للحياة أثر هناك إلا صخب رفقائه المسجونين عندما يمرون بالبهو. وقد كان «رافائيل» بغيطهم على ما كانوا فيه من نعمة التحرك وتداول الحديث ومشاهدة السماء وعدم الاضطرار إلى استنشاق الهواء من خلال قضبان من حديد. لقد كان يرى أن الشقاء درجات بعضها فوق بعض. فقد كان يحسد رفقاءه كلما ساروا في البهو غادين أو رائجين. وكان يعتبر حالتهم من الحالات التي تستحق التمني وتستوجب النقمة على من ينعمون بها. أما المعتقلون الذين يجيئون ويذهبون في الفناء فكانوا يحسدون كل من كان خارج ذلك السجن ويتمتعون بالحرية ويسيرون آنذاك في الشوارع غير راضين عن مصائرهم في معظم الأحوال لما يطعمون فيه من مآرب أخرى كثرة لا نعملها .. ما أجمل الحرية .. غير أنهم جديرون بذلك الاعتقال.
لقد كان «رافائيل» قد نزل إلى آخر درج في سلم الشقاء. فقد حاول الفرار بحفر الأرض عندما استبد