دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 25
قافية بن عمرو الرباطي
للأستاذ عبد الله كنون
هو العالم اللغوي الأديب أبو عبد الله محمد بن التهامي بن محمد بن عمرو، به عرف هو وأسرته، وهم ينتسبون إلى الأنصار، وأصلهم من الأندلس، ثم هاجروا إلى المغرب فتوطنوا مدينة الرباط، واشتهر المترجم بمعارضته لقافية ابن الونان المعروفة بالشمقمقية واقتحامه لميدان المباراة بعد التحدي الصارخ الذي أعلن عنه صاحب الشمقمقية في قوله:
من كان يرجو من سواي مثلها
رجا من القربة رشح العرق
وقد جاراه في جميع أغراضه، وساجله في كل ما تناوله في تلك الأرجوزة البديعة من فنون القول كالنسيب والغزل والفخر والحماسة والمدح، إلا أنه أقصر عنه في فن الحكم والأمثال الذي امتازت به قافية ابن الونان واشتملت منه على حصيلة مهمة من ثقافة العرب وآدابها، وهو من خير الفنون الذي تقدمه لنا هذه الأراجيز والمقصورات الأدبية كمقصورتي ابن دريد وحازم. على أن ابن عمرو في نظرنا تفوق على ابن الونان في ثلاثة أشياء: أولها أنه أغرب عليه في استعمال الغريب والحواشي من الألفاظ حتى صار ما عند ابن الونان من ذلك بمثابة المأنوس المستعمل. ولا نعني أن من يستعمل غريب اللغة يكون متفوقا على غيره، وإنما نريد أن ابن الونان لما كان يقصد باستعمال الغريب إظهار ثقافته اللغوية، فإن ابن عمرو قد غير في وجهه بركوبه متن الأغراب في ذلك والتعمق فيه. ثانيا إنه أمتن منه سبكا وأحسن نظما، فبينما نجد ابن الونان يضعف في بعض الأبيات فلا يكون منسجما ولابد، يكون ابن عمرو محكم النظم قوي السبك فلا تكلف ولا هلهلة في غالب أقسام أرجوزته ولا سيما القسم الأول الذي أكثر فيه من استعمال الغريب وهو الذي يضعف ابن الونان في بعض أبياته. ثالثها أنه امتدح الرسول الأعظم (ص) في حين أن ابن الونان امتدح ملك زمانه، فبين الغرضين ما بين الممدوحين من تفاوت، وهذا مما أشار إليه كل من تكلم على أرجوزته، وفضلا عن ذلك فإنه ختمها بأبيات مؤثرة في شكوى الحال وذم الزمان.
وبالجملة فإنها أرجوزة قيمة لا تقل عن الأرجوزة المعارضة في لفظ ولا معنى إلا ما أشرنا إليه ... وقد شرحها العلامة محمد بن عبد السلام السائح الرباطي وطبعت مع هذا الشرح المفيد الذي سماه صاحبه (سوق المهر إلى قافية ابن عمرو)، ودرس ابن عمرو على علماء بلده وتوفى بالحجاز عام 1243 هـ وهذا صدر قافيته:
مسحت في الإدراج كل خفيف
يراء سبب بباب سملق
وجبت كل طاسم سمهدر
متن دموس واسع المخترق
يغتال غيلان الفلا من سند
شناظه متمسك بالأفق
وسقت كل عيطموس عيهل
عيرانة قوداء ذات شمق
لهقة حرف وكوف شودح
عكفاك عندل لكاك ديفق
كوماء برعس ثلوث أجد
تبراء هيضل رتوع مبرق
لها الوخيد مأخذ عن سنك
لا ترعوى في عرضها لازق
ترى لها في رصم انزهوة
ولو أمضها مضاض اللسق
يؤرها في نكظ عطود
قيص عرندس حليف العنق
ضخم نجيب مجرهد هوزب
يحكى وميض البارق المؤتلق