ويعبر عن ذلك قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام.
فالرجل والمرأة من نفس واحدة، إذن، فهما قطبان للإنسانية ومشكلتها مشكلة واحدة لا تنفصل هي مشكلة الفرد في المجتمع.
ولقد فسر أستاذنا الشيخ «محمد المدني» قوله تعالى: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض بقوله: عبر القرآن العظيم بان الرجل والمرأة يكونان شيئا واحد هو «كل» الرجل بعضه والمرأة بعضه الآخر.
فالمشكلة إذن تناولت على هذا الأساس، فإنها ستتخذ طابعا علميا سليما لا يضيع الجهود وسيفضي الحال بالباحث إلى معالجة مشكلة الفرد من جميع النواحي كإنسان يعيش في عالم يتطلب حضارة (1).
3 - والأساس الثالث هو أن هذا الفرد أو أن هذا الكل فيه الذكر والأنثى ولكل منهما خصائص بيولوجية محددة. فهل نوزع المسؤوليات بقطع النظر عن نفسية كل من النوعين وعواطفه وغرائزه وتركيبه الجسمي؟ وهل وظيفة هذا الفرد واحدة أم مختلفة؟
إن هذه المشكلة يجيب عنها العلم. والعلم يقول: «إن لكل من الذكر والأنثى هرمونات خاصة وتركيبات مختلفة». وهذا يعني أن وظيفتهما تختلف. ولقد بين الله أن هذا الاختلاف ثابت ولا يمكن تغييره لقوله جلت قدرته: ُ"ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن"، فالمرأة والرجل كالجسم الواحد المرأة بعضه والرجل بعضه الآخر ولكل خصائص لا تتوفر في الآخر لا يعني الأفضلية ولكن يعني الاختصاص فحسب، فاليد لا تفضل العين والرجل لا تفضل الأذن إذ لكل عضو قيمته الخاصة واختصاصه الحيوي الذي يتعاون مع باقي الأعضاء في حفظ كيان الكائن الحي يقول أستاذنا الشيخ «محمد المدني» في كتابه «المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة آل عمران صفحة 184»: «والمزايا هنا لا تتعارض ولا تتبادل وإنما تتعاون وتتضافر من أجل هدف مشترك هو المحافظة على حياة الإنسان ووجوده».
فهذا هو الأساس الثالث وهو أن للمرأة نفسيتها الخاصة وبناءها الجسمي الخاص وللرجل كذلك، وهذا الاختلاف يستلزم طبعا الاختلاف في الوظيفة الاجتماعية. فاستر جال النساء واست نساء الرجال قلب خطير للأوضاع الاجتماعية، ومحاولة خاسرة لتبديل الطباع، وعلى ضوء هذا يفهم قوله تعالى: «ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض. للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن». ومعناها أن الله خلق الذكر والأنثى وجعل لكل منهما طبيعة ثابتة لا تتغير على مدى حياة الإنسان في هذا الوجود. ولا يحاولن أن يغير الطباع والخصائص ليجعل المرأة كالرجل أو العكس فالمحاولة مستحيلة لمخالفتها الطبيعية الثابتة لأن كلا منهما اكتسب طبيعته النهائية من أجل وظيفته الاجتماعية ولذلك عبر الله بقوله: «لا تتمنوا» والتمني طلب المستحيل.
ولقد أسعفتنا الدراسات النفسية ببعض الفروق بين الرجل والمرأة الشيء الذي يحتم اختلاف في الوظيفة. فهناك اختلافات ترجع في أصلها إلى الخصائص الجسمية وتبتدئ عند تكوين الجنسين في بطن أمه، فالتركيب الدقيق للخلايا لكل من الذكر والأنثى مختلف، فالبنت لكي تولد يلزمها اثنان من كروموزمات إكس ( x) وهي الجزيئات الضئيلة الحاملة للصفات الموروثة، مما يؤثر تأثيرا فعليا في مصير تكوينها ونصيب أعضاء جسمها من القوة والاحتمال. كما يختلفان في وزن الجسم من القوة والاحتمال. كما يختلفان في وزن الجسم عند الزيادة وكذلك في سرعة النمو الذي يتنازعان التفوق فيه إلى أن تصل نسبة التفوق عند الرجل إلى حوالي 20% في سن العشرين وكذلك نرى الذكر يفوق الأنثى في طول القامة بمقدار 10% في ذلك السن أيضا وذلك طبعا عاما لا يخص فردا بعينه كما نجد الذكر يفوق الأنثى بالقوة العضلية كما أن هناك فرقا بينهما في التنفس، فالذكر أوسع تنفسا من الأنثى، فالكمية من الهواء التي يحتفظ بها الذكر في رئتيه أكثر من رئتيها وهذا ما يسمى بالمقدرة الحيوية وقد يبدو هذا الفرق بسيطا غير أن تأثيره قوي يحدد كثيرا من الاتجاهات بالنسبة للذكر والأنثى.
(1) راجع كتاب الإفريقية الأسيوية الترجمة العربية، فقد توصل صاحبه إلى أن مشكلة الإنسان مشكلة حضارة.