تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العاشر فإن حظك من النجاح أن تصادف يدك الفلس المرقوم برقم واحد إلى الفلس المرقوم برقم عشرة على التوالي يبلغ رقما لا يتصوره العقل وهو واحد من عشرة ملايين».

والغرض من ضرب هذا المثل السهل إدراكه أن نبين مقدار استحالة قول من يزعم أن هذا العالم تم خلقه وتدبيره بالمصادفة، فإن هناك شروطا لازمة لوجود الحياة على أرضنا هذه، وهذه الشروط لا يمكن أبدا من الوجهة الحسابية أن توجد كلها بالنسب المطلوبة بالمصادفة المجردة على أي أرض في أي زمن، لذلك يتحتم أن يكون وراء الطبيعة كائن عالم مدير، إذا علمت ذلك وهو حق تعلم يقينا أن خلق هذا العالم مقصود ومقدر قبل وجوده تقديرا دقيقا، إذن فالغرض من تأليف هذا الكتاب الإشارة إلى شيء من نظام هذا الكون العجيب.

دعنا الآن نختبر الحقائق المدهشة، زعم علماء الفلك أن نجما عظيما مر بقرب شمسنا ودنا منها دنوا كبيرا بحيث وقع فيها ارتجاج واضطراب عظيم فانشقت وانفصلت عنها قطع كبيرة وكل قطعة اتخذت لها فلكا ندور فيه وكان ذلك منذ ما يقرب من بليونين من السنين، ثم أن إحدى تلك الكتل التي انفصلت عنها قطع كبيرة وكل قطعة اتخذت لها فلكا ندور فيه وكان ذلك منذ ما يقرب من مليونين من السنين، ثم أن إحدى تلك الكتل التي انفصلت عن الشمس هي هذه الأرض التي نعيش فيها.

قال كاتب هذا المقال قد يستأنس بعض الناس لإثبات هذه النظرية بقوله تعالى «أولم ير الذين كفروا إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما» الآية.

ونحن لا نريد أن نتعرض لهذا الاستئناس بنفي ولا إثبات لأن ذلك يتطلب بحثا دقيقا وأناة وصبرا ومقالا منفردا، ولكن نريد أن نبين للمغرورين من الشاكين والمغررين من المشككين أن مثل هذه النظريات التي يحاول علماء الفلك أن يحلوا بها المشكلات الكونية هي أضعف من أن يعتمد في نفي وجود الباري جل وعلا وإبداعه للكائنات وتدبيره لشؤونها بغاية الأحكام والإتقان، كما قال تعالى في سورة السجدة «ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه» وقال تعالى في سورة النمل «وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء أنه خبير بما تفعلون». وقد انتقدت طائفة من علماء الفلك هذه النظرية ولم يقبلوها.

وهناك نظريات أخرى في تكوين الأرض ليست أقوى ولا أبعث على الطمأنينة من النظرية السالفة وذلك يدل على قلة ما وصل إليه علم الإنسان من أسرار خلق السماوات والأرض، قال تعالى «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» وقال تعالى في سورة آل عمران «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب».

ثم نعود إلى الكلام على هذه الأرض التي خلقنا الله فيها وأمرنا بالنظر والتفكر فيها، فقال سبحانه «آفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الأرض كيف سطحت» قال العلماء أن هذه الأرض صغيرة الحجم بالنسبة إلى غيرها فهي من هذه الوجهة ليست من الإجرام الفلكية المهمة. ومع ذلك قام الدليل على أنها أهم كوكب نعرفه.

ولنفرض أن الأرض مؤلفة من العناصر الموجودة في الشمس لا غير، فهذه العناصر موزعة في الأرض كل واحد منها له نسبة مئوية وهذه الأجزاء التي خبرناها على وجه الأرض توزيعها في غاية الدقة والإتقان، يدل العالم به أن وراءه مدبرا عالما قديرا منزها عن الوهم والنقص، ثم أن حجمها نفسه قد روعي فيه مقدار معلوم لا يمكن أن يزيد ذرة ولا أن ينقصها. فسرعة دورانها في فلكها حول الشمس مقدرة تقديرا في غاية الدقة، ودورانها على محورها مقدر كذلك ومحدد بحيث لو وقع فيه اختلاف بثانية واحدة فقط في مدة مائة سنة لانقلب الحساب الفلكي كله وتغيرت حدوده.

ويرافقها كوكب يعرف بالقمر، وحركاته مقدرة بدقة وله دورة محدودة تبتدئ وتنتهي في ثماني عشرة سنة وثلاثة أرباع السنة. ولو كان حجم الأرض أكبر مما هو عليه أو أصغر أو كانت سرعتها على غير ما هي عليه لكانت المسافة التي بينها وبين الشمس أبعد أو أقرب، وهذه الحالة تؤثر تأثيرا بليغا في جميع أنواع الحياة التي على وجه الأرض ومنها حياة الإنسان.

قلنا إن اختلاف سرعتها في دورانها يؤثر في بعد المسافة أو قربها وفي كلتا الحالتين من القرب والبعد لا يمكن أبدا وجود الحياة على وجه الأرض على الوجه الذي نعرفه، والأرض من بين جميع الكواكب السيارة، وسب ما نعلمه حتى الآن هي الكوكب الوحيد الذي بسبب علاقته بالشمس صار في الإمكان وجود هذه الحياة التي نحياها فيه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٦١