دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 04
دراسات إسلامية: قصور النظر الإنساني
للأستاذ أبي الأعلى المودودي
أمير الجماعة الإسلامية بباكستتان
«كان طفل صغير جميل الطلعة في الثانية من عمره مصابا بالحمى الشديدة حتى كان لا يقدر ولا أقسى الناس قلبا أن يرى شدة كربه واضطرابه. كان المسكين تارة ينظر إلى أمه وأبيه رفعا لألمه ويفتح فمه تارة أخرى أمام الطبيب يتناول من يده الدواء المر، وبعد أن ظل يقاسي هذا الألم والشدة يوما كاملا فجع والديه وأظلم في وجههما الدنيا بانتقاله من دار الفناء إلى دار الخلود. وأنا عندما رأيته يجود بنفسه في عالم من الكرب العظيم، ساءلت نفسي: لماذا إن الله الذي هو مصدر الرحمة والكرم ومنبع الرأفة والشفقة على عباده يأخذ بمثل هذه الآلام والمصائب أطفالا صغارا عضاض الطرف لم يدنس ذيلهم بشيء من معصيته»؟.
هذه سطور اقتبستها من رسالة وصلني بها أحد أصدقائي الأفاضل وإن السؤال الذي ثار في قلبه، يثور في قلب كل مومن على غير صورة واحدة عندما يشاهد في الدنيا مشاهد الموت والمرض ونزول الآفات والمصائب. فموت آلاف من أفراد البشر في الأوبئة وخراب آلاف من البيوت في زلازل الأرض ومعاناة الناس أنواعا من النكبات في سيول الماء واضطرابهم بقلق لا يطاق في مختلف أنواع الأمراض وما إليها من مناظر الألم والبؤس ومشاهد الغم والكمد يتساءل عندها الإنسان بحكم طبيعته: لماذا إن الله الذي هو رؤوف رحيم بعباده ويمن عليهم بربوبيته وكرمه وفضله ويقول بنفسه: «ما أنا بظلام للعبيد»، ما له ينزل بهم مثل هذه الآفات والآلام والهموم والكروب على أنه هو الذي أودعهم الشعور بالألم؟ وقد يغالي بعضهم ويكادون يعدون هذه الآثار لغضب الله لا تتفق مع اتصافه بالرحمة والكرم والرأفة فيقولون في حيرة -ومعاذ الله- عن الله قوة عمياء لا علم لها براحة أحد أو ألمه، قوة تبني شيئا ثم تهدمه بنفسها بدون ما غاية ولا مصلحة ولا نظام.
والذين قد تأملوا في نظام الكون ودققوا النظر في ملكوت السماوات والأرض، قد أفضى بهم بحثهم إلى أن ليس هذا الكون يشتمل على أجزاء متفرقة يستقل بعضها عن بعض، بل هو كل مرتبطة جميع أجزائه بعضها ببعض -ارتباطا محكما- وأن العلاقة بين كل ذرة في الأرض وذرة في المريخ أو العطارد مثل علاقة شعرة في رأس الإنسان بشعرة في يده أو رجله، وأن ليس هذا الارتباط بين أجزاء الكون ودرأته فحسب، بل هو كذلك بين كل ما يحصل فيه من الحوادث والوقائع، فما كل