ولم تنظر مني جوابا، فقد عادت إلى البيت تحجل على الكعبين العاليين، وبقيت أبحث من جديد عن الإنسان القذر.
وهكذا أغرقت في الفلسفة مرة أخرى، لا انتهي من صمتي وكآبتي، ولم اعد أختلس النظر إلى الجسم الصغير، بل كنت أكتفي بسماع «طرطقات» حذائها العالي.
هل أنا قذر حقا؟ إن المرآة تشهد أنني أجمل من كل رهط أصدقائها، وأكثر فتوة ونضجا، وكثيرا ما كانت الفتيات الصغيرات يحدقن في عيني طويلا، حيث يمتزج في أعماقها بريق أكثر من عشرين سنة، وسحابة حزن كثيفة لإنسان صغير مات أبوه وهو يتمنى له حياة أحسن، وأنني من حياة أبي، فقد كانت شيئا بائسا.
هل أنا قذر .. ؟
نعم، فإن زيت السيارات الأسود يملأ يدي وثيابي ... ولكنها كانت تعني قذارة أخرى فيما أظن. أنها على كل حال أكثر قذارة ...
كان بيتي الصغير الكئيب في المعمل، يضم أنبوبا صغيرا للماء، وفراشا، وشهادة ابتدائية عربية ملقاة في إهمال، بعد أن كانت نتيجتها ذات يوم: «لا يوجد عمل ما»
كان الماء البارد ينصب على يدي المتسخة صباح يوم أحد، عندما سمعت طرقا على باب «الزنك» الخارجي ... وفتحت لها الباب، فقد كنت أعرف أنها هي، وعندما أردت أن أعود إلى البيت الكئيب سمعتها تقول:
-أرني سيارات «السبور» التي جاءت أمس ... وفي صمت، أخذتها داخل «المخزن»، متخطين قطع الحديد هنا وهناك.
وعندما وقفت بجانبها صامتا، استطعت أن ألمح بريق عينيها وهي ترى السيارة الصغيرة، أنها مجنونة بهذه السيارات، ومنذ سنتين صدمت حائط متجر بإحدى هذه السيارات الصغيرة.
كان أنبوب الماء يقطع الصمت الكُُثيب، وكان جسمها البض يبعث الحرارة في مخزن الحديد البارد .. وكانت تريد أن تخرج السيارة الجديدة بأي ثمن ... أي ثمن، وعندما ابتسمت لي، كانت رائحة الزيت الأسود في ثيابي تكاد تخنقني ... واقتربت مني في حركة حاولت أن تجعلها طبيعية .. ثم .. ثم قفز فأر صغير وسط الحديد، والتصقت بي مذعورة وهي تهمس:
- هل رأيت .. فأر .. ؟
وكانت يدي القذرة قد أحاطت جسدها ..
وأخذت أنا ملها تعبث بالشعيرات السوداء على ساعدي، وأنا ألهث .. ألهث، وأضمها في عنف وهي مستسلمة، عيناها المتوهجتان ترقبان سيارة «السبور» الصغيرة، وجسمها بين يدي ...
وعندما أبعدتها، أطلقت آهة خافتة، وظل فمها منفرجا بعض الوقت، ثم قالت:
- مالك .. ؟
- آسف، لقد تركت يدي بقعة سوداء في فستانك .. إنني ..
وقاطعتني:
- لا يهم ذلك، إن البقعة السوداء يمكن أن تزول، ولكنني كنت قد أخذت طريقي إلى البيت الكئيب، حيث يتدفق الماء من الأنبوب الصغير، وأبعدت عينيها عن السيارة المجنحة لتصيح بي:
- أيها القذر، أرأيت ما فعلت، أم تحترم ابنة صاحب النعمة عليك! سأخبر أبي سأخبره حالا ...
لقد كنت قذرا، وكنت أعرف امرأة العزيز التاريخية، ودخلت إلى البيت لأجمع متاعي الحقير، مبتعدا عن الأقذار