دعوة الحق، س.3، ع 2 /أكتوبر 1959 ............... ص 18
مالك بن نبي وكتابه "مستقبل الإسلام"
بقلم: عبد السلام الهراس
تحدثنا فيما سبق عن كتاب (شروط النهضة) وكان الحديث مقتضبا، وإن كنت أعطيت صورة حقيقية وواضحة عن فلسفة مالك الحضارية والآن سأتناول الكلام عن مالك في كتابه الرائع «مستقبل الإسلام» وكنت أود أن ألتزم ذلك الاقتضاب لولا أن خصوبة أفكار مالك وتركيزها وعمقها وفائدتها الضرورية كل ذلك يمنعني من ذلك الالتزام ولذلك فإني سأكتب عن أفكار مالك في سلسلة من المقلات جاعلا «كتابا معينا» هو محور الحديث. وسيكون الكلام الآن حول كتابه: مستقبل الإسلام.
«مستقبل الإسلام» أو وجهة الإسلام حسب ترجمة الأخ الأستاذ الخطابي كتاب يدور بحثه حول الأمراض الإسلامية ونقد طرق الإصلاح وبيان أسباب انحرافها وعقمها. وكان من حق الكتاب أن يحمل اسم: الاتجاهات الحديثة في إصلاح المسلمين. غير أن الأستاذ الكبير الدكتور عبد العزيز خالدي ارتأى تسميته باسمه الحالي لغرض خاص ويعتبر هذا الكتابة وحيدا في هذا الموضوع، ويمتاز ككتب ابن نبي بالموضوعية والتعمق والشمول والخصوبة والحيوية، وليس كتاب «أدب» يتلاعب بالألفاظ وتستدرجه الموسيقى عن الموضوع، ويستعبده اللفظ بل إن كلماته تكاد تكون محسوبة تخضع لعقل هندسي يدرك معنى التناسب والتوازن والأبعاد كأدق ما يكون الإدراك، ولولا أنها لغة، لقلنا أنها رموز رياضية لن مالك كما قلنا يحاسب الكلمات حسابا عسيرا، ولا يسمح لأي كلمة أن تفرض نفسها عليه أو أن تسيل من قلمه دون أن تحمل شحنة فكرية من صميم الموضوع، ومن جوهر الفكرة، ودون أن يكون لها إشعاعها الخاص الضروري للفكرة العامة. وكم عانينا مع الأستاذ مالك مشكلة تحديد الألفاظ إذ ميوعتها وقابليتها لكثير من المعاني قد تصل أحيانا إلى نوع من التضاد.
وقد نقد بعض علماء هذا الكتاب فأعجبوا به لأنه أول صورة علمية حية، صادقة عميقة عن مشاكل العالم الإسلامي وسر تأخره وعوامل بطء أو فشل طرق الإصلاح وعدم فعاليتها ... من ذلك المستشرق بلاشير والعلامة «جب» الذي اعترف كسابقه بقيمة هذه الدراسة الخطيرة التي عجز عنها -كما قال علماء الاستشراق- كثير من علماء الغرب.
والكتب مصدر بهذه الآية الكريمة «إن الأرض يرثوها عبادي الصالحون» وتهدى للدكتور عبد العزيز خالدي الذي قدم هذا الكتاب في طبعته باللغة الفرنسية.
والكتاب مقسم إلى ستة فصول: «إنسان ما بعد الموحدين» أو عصر ما بعد ابن خلدون «النهضة» -فوضى العالم الإسلامي الحديث- فوضى العالم الغربي -الطريق الجديدة- تباشير العالم الإسلامي. وأخيرا خلاصة في صيرورة الإسلام الروحية.
وقد تحدث في التمهيد عن قيمة الدراسة التي قام بها العلامة المستشرق «جب» في كتابه النزعات الحديثة في الإسلام وناقش جب في فكرة «الذرية» التي يرمي بها التفكير الإسلامي الذي يعجز عن التعميم بل يركز ذاته في الجزئيات منفصلة عن بعضها دون النظر إلى الوحدة التي تربط بين تلك الجزئيات، ويرى