فهذا غيض من فيض من الحقوق التي أعطاها الدستور الإسلامي رعيته من غير المسلمين، وهي من الحقوق المستقلة الثابتة التي لا يجوز انتزاعها منهم وسلبهم إياها ماداموا في نطاق ذمتنا وتحت حمايتنا. ومهما اضطهدت مملكة غير مسلمة رعيتها المسلمة وأذاقتهم صنوفا من القهر والعذاب، فلا يجوز لمملكة إسلامية بإزاء ذلك كله أن تعتدي على رعيتها من غير المسلمين وتحرمهم حقوقهم خلافا للشريعة الإسلامية ونقضا للمواثيق. ولعمر الحق لو قتل كل مسلم خارج مملكتنا، لا يحل لنا أبدا أن نريق في حدود مملكتنا ولو دم فرد من أهل الذمة إلا بالحق.
ويفوض أمر إدارة المملكة الإسلامية وتسيير دفتها إلى أمير يضارع في منصبه والقيام بأمر المملكة رئيس الجمهوريات في هذا العصر. فكل من آمن بمبادئ الدستور وسلمها تسليما، فمن حقه إذا كان بالغا أشده أن يبدي رأيه في انتخاب الأمير. والذي يلاحظ بصفة خاصة في انتخاب الأمير هو التقوى والمعرفة التامة بالإسلام والأهلية الكاملة لتدبير أمور الأمة في السلم والحرب. فلا يناط منصب الإمارة إلا يمن كان متخلقا بهذه الصفات مستوفيا لها، وكان حائزا لثقة الأمة أكثر من غيره. ثم ينتخب لمساعدته مجلس الشورى الذي ينتخب أعضاؤه عامة أفراد المجتمع. والأمير حتم عليه أن يسوس البلاد بمشاورة أهل الحل والعقد -أعضاء مجلس الشورى. وهو أمير مادام مزودا بثقة الأمة واعتمادها عليه. أما إذا فقدها وأضاعها، فلا بد أن يتخلى عن منصبه. غير أنه لا يزال على ذروة الأمر مسموع الكلمة مطاع المر نافذ القول مادام مزودا بثقة الأمة، بل يجوز له ف يتلك الحال أن يستأثر بحق الرفض والرد ويرفض آراء سائر أعضاء المجلس في أمر يرى فيه الحق على خلاف ما يرون. ومن حق عامة أهل البلاد أن ينتقدوا حكومة الأمير إذا رأوا فيها ما ينتقد.
أما التشريع ووضع القانون في المملكة الإسلامية، فلا يكون إلا ف يضمن الحدود التي أقامتها الشريعة ولا يتجاوزها أبدا. والذي أنزله الله وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الواجب أن تنقاد لهما الأمة انقيادا كاملا. فلا يحل لمجلس من المجالس التشريعية أن يحدث فيهما أدنى تغيير. أما الحكام التي تحتمل وجهين فصاعدا، فمن وظيفة الذين يتفقهون في الدين أن يستجلوا فيها وجه الحق والصواب ويدركوا ما أرادت من ورائها الشريعة الغراء.
فهذه الأمور -وما كان على نمطها- ترد إلى لجنة من العلماء والفقهاء تحت مجلس الشورى. ثم نجد بعد ذلك مجموعة عظيمة للأمور التي لم تنص عليها الشريعة نصا خاصا، فلمجلس الشورى أن يضع لها القوانين في ضمن الحدود الشرعية.
والقضاء في الإسلام لا سلطان عليه لهيئة الحكومة التنفيذية ولا للأمير، فإن من يتولاه ينوب عن الله عز وجل وهو مسؤول بين يديه رأسا. والقاضي -وإن قامت بتوليته الحكومة- إذا تبوأ منصبه في مجلس القضاء، لا يحكم بين الناس إلا بما انزله الله وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون في مأمن من صدعه بالحق وعدله حتى رجال الحكومة أنفسهم، ولابد لرئيس الحكومة نفسه أن يحضر بين يديه كشأن عامة أهل البلاد إذا كان مدعيا أو مدعى عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.