ثانيا أنه يجب على هذا الرجل أن يتصرف في ملكك حسب ما أمرته به أنت وأرشدته إليه. ثالثا أنه لا ينبغي له أن يشق عصا طاعتك ويتعدى الحدود التي أقمت له ولمعلمه، ورابعا أن من واجبه في هذه الضيعة أن يقضي منها ما تريد قضاءه أنت لا ما يري هو نفسه.
فهذه الأمور الأربعة قد اندمجت قي تصور النيابة اندماجا تاما، حتى أنها تتخيل للمرء بمجرد ما نطق بكلمة، النيابة، وتفوه بها. فإذا رأيت نائبا لا يفي بهذه الشروط الربعة ولا يؤدي واجبه وفق مقتضاها، قلت إنه تجاوز حدود النيابة ونقض الميثاق الذي تتضمنه النيابة. فهكذا نرى هذه الأمور الأربعة نفسها مضمرة في تصور كلمة «الخلافة». والإسلام لا يريد بالخلافة إذا قال أن الإنسان خليفة الله في الأرض إلا هذا المعنى بعينه. فلا تكون المملكة التي تقوم بموجب هذه النظرية لسياسية إلا الخلافة الإنسانية تحت السلطان الرباني الإلهي، وعندما تكون غايتها المنشودة تحقيق مشيئة الرب تعالى وإرادته مقتدية بهدايته من غير أن تتجاوز الحدود التي أقامها لها ولعملها.
ومما يناسب ذكره في هذا المقام أن الإسلام لا ينوط أمر «الخلافة» بفرد من الأفراد أو بيت من البيوت أو طبقة من الطبقات، بل يفوض أمرها إلى جميع أفراد المجتمع الذي يؤمن بالمبادئ الأساسية من التوحيد والرسالة ويظهر كفاءته واستعداده للقيام بكل ما تنطوي عليه كلمة «الخلافة» وتقتضيه. فإذا وجد في الدنيا مجتمع منصف بهذه الصفات، فلا ريب أنه جدير بالخلافة. وإن هذا هو المقام الذي تنشأ فيه وتبتدئ منه فكرة الجمهورية في الإسلام. فكل واحد من أفراد المجتمع الإسلامي له نصيب من الخلافة وحق في التمتع بها. وهذه الحقوق سواء فيها جميع أفراد المجتمع كأسنان المشط. وكذلك لا يحل لأحد أن يحرم هذه الحقوق من شاء من أفراد المجتمع. فالظاهر أن كل حكومة تتهيأ لتسيير دفة هذه المملكة وإدارة أمرها لا تتألف ولا تتشكل إلا بآرائهم ولا تعمل عملها إلا بتأييدهم ومشورتهم. فمن نال رضاهم وحاز ثقتهم، ينوب عنهم في القيام بوجبات الخلافة. ومن فقد ثقة أفراد المجتمع به، لا مندوحة له عن اعتزال هذا المنصب الجلل. فالجمهورية الإسلامية إذن جمهورية كاملة بالغة الكمال مبلغا ليس وراءه من غاية، غير أن الذي يميز الجمهورية الإسلامية من الجمهورية الغربية السائدة المعروفة اليوم في العالم، أن نظرية الغرب السياسية تقول بحاكمية الجمهور، والإسلام يقول بخلافة الجمهور. وبيان ذلك أن حقوق الحكم والأمر في الجمهورية الغربية يستبد بها الجمهور، وهم الذين يمتلكون ناصيتها، فيسنون وينفذون في الأرض ما يشاؤون من القوانين والشرائع، وإن قصارى ما تهدف إليه حكومتهم إنما هو إرضاء عامة سكان المملكة وجلب تأييدهم وقضاء مشيئتهم. والإسلام، بخلاف ذلك، ليس الحكم والمر فيه إلا لله وحده، فهو الذي يستأثر بحق وضع القانون والشريعة لعباده من غير مشارك ولا منازع. أما الجمهور فليست منزلتهم أن يقتفوا آثار الشريعة الإلهية التي جاء بها الرسول من عند ربهم ولا يحيدوا عنها قيد شعرة. ولا تكون غاية من شكلوها وألفوها من الجمهور إلا ابتغاء وجه الله تعالى وتنفيذ أمره في أرضه. وخلاصة القول أن الجمهورية الغربية تتبوأ منصب الإلوهية عنوا واستكبارا في أرض الله بغير ما حق وتستخدم قواها ونفوذها حسب ما شاءت وشاء أعضاؤها. وإن الجمهورية الإسلامية عبودية اجتماعية لله تبارك وتعالى مقيدة بحبائل شريعته لا تستعمل قواها ونفوذها إلا في ضمن الحدود التي أقامها لعملها مقتدية بالهداية الربانية.
فالآن أريد أن أعرض -على وجه الإيجاز- صورة واضحة للمملكة التي يقوم بناؤها على دعائم التوحيد والرسالة والخلافة هذه.
إن غاية هذه المملكة -كما بين الله تعالى في عدة مواضع من كتابه العزيز- أن تقيم المآثر والمكارم التي يحب الله أن تتحلى بها الحياة البشرية وتبث خيراتها وتبذل الجهد المستطاع في رقيها وتعميم مبراتها، وأن تستأصل وتنفي عن الأرض كل ما يبغضه الله من الفواحش والمنكرات وتطهرها من شوائبها وأدناسها. فالإسلام ما جاء ليقيم في هذه الدنيا مملكة من حيث أنها مملكة ويعني بتدبير شؤونها وإدارة أمرها فقط، ولا لأن يهتم بمصالح أمة من الأمم دون سائرها ويستفيد جهوده وحيله في تحقيق مطالبها الاجتماعية. كلا، ليس الأمر كذلك، بل الحق أن الإسلام يضع بين يدي مملكته التي يقيمها وفق مبادئه وأصوله غاية أسمى وأرفع من ذلك بكثير ويحتم عليها أن تستخدم في سبيل تحقيقها كل ما يتسنى لها من