تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأنما لم يقنعك جوابي فمضيت تسهبين في تبيان رسالة الفنانين .. أما أنا فكنت أدير في رأسي أفكارا أوحى بها لقاؤنا. كنت أحاول أن أجيب على سؤال خطر بذهني: هل يحق لي أن أحبك أن أربط بين مصيرينا؟.

قد تبتسمين عند قراءة هذا السؤال لأنك لم تسمعي قط أن الحب عملية تتم بموافقة العقل، غير أنني لم أتساءل بدافع من العقل وحده بل بدافع من عاطفتي أيضا ... حرصي على أن لا أشوه صورة جميلة أخذنا نرسم خطوطها الأولى هو الذي جعلني أحاول الجواب على هذا السؤال، وكان الجواب غامضا سلبيا في أكثر أجزائه .. صور كثيرة انبثقت في ذهني قبل أن أصل إلى الجواب ... كانت أولاها صورة طريق طويل، طويل جدا ... نهايته غير واضحة وأنا أشير في أوله لا تبدو على ملامحي مظاهر النشاط ولا علامات التعب ...

وعادت إلى ذاكرتي صورة أمي وهي تسألني:

- لم تخبرني يا بني هل ستكون حقا طبيبا أم مهندسا؟

- سأصبح أحدهما ... أيهما تفضلين؟

ومضت أمي تشرح مزايا مهنة الطبيب والمهندس كما تفهمهما، ولم أحاول أن أخبرها بحقيقة مطمحي لأنها لن تفهمني ولو فهمتني لضحكت مني بل لبكت لأن الآمال التي عقدتها علي ستنهار فجأة وستنظر على أنني خيبت أملها فحرمتها من عيشة أحسن، وستجد أن التضحيات التي تحملتها في سبيل تعليمي قد ذهبت أدراج الرياح ... وأنا لا أستطيع أن أواجهها بالحقيقة، أفضل لها أن تعيش على هدهدة أمل كبير ..

حديثك المتدفق، إني ما زلت أذكر كلماته المؤمنة المتوثبة. خيل إلى أنك إيمان خالص لا يعرف الشك ولا معاكسات القدر ... كنت تتحدثين عن المستقبل الذي ينتظرني لو ظللت مخلصا فيما أكتب، وكنت تصورين ألا عظمة تضاهي عظمة الفنانين؛ وكانت تختلج في صدري شكوك ورؤى سوداء ... كان الطريق الذي سرت فيه يبدو لي بغير نهاية، تفرشه الأشواك وتحفه المتاهات، وإيماني في أني سأصل يوما إلى آخره أخذ يتضاءل؛ ولكنني لم أرد أن أحدثك بشيء من هذا .. وخيل إلي أنك تجسمين حالتي قبل سنتين عندما كنت أحلم بأن أسير في هذا الطريق .. نفس الإيمان ونفس الحماس، إنه لم يتلاشى من نفسي ولكن بعض الشكوك أحاطت به فنشب الصراع.

وعندما افترقنا كان السؤال ما يزال يلح لأوجد له جوابا نهائيا. وفي هذه المرة حولت دفة التفكير إلى شخصك .. كنت كما أريد، سمرة خفيفة وعينان عسليتان تقربان من لون البشرة فيوحي مرآك بالدفء، والصدر في استدارته الأولى يعد بثورة خيوطها تنسج على مهل، وإيمانك بالطريق الذي سرت فيه يكاد يفوق إيماني .. ولكن هل ستظلين هكذا ملاكا في صورة إنسانة؟ قد لا أصل إلى نهاية الطريق وقد يكلفني ذلك الحرمان والبؤس فهل ستتحملن في صبر وإصرار؟ ألن تستيقظ فيك غريزة الأنثى فتطلبي مني أن أشتري لك الفساتين والحلي لتباهي بها صديقاتك، وحينئذ قد أوافق في لحظة ضعف على تنفيذ رغباتك وأسلك لذلك سبلا ملتوية، فأتخلى عن مثلي وقيمي وأغمس قلمي في الوحل؟؟

قد تقولين إنها مجرد شكوك ولكنها جد ممكنة، فالذي يطرق أبواب الناس بالحرف أمله ضعيف ... يكفي أنني خيبت أمل امرأة عزيزة لدي، ويعز علي أن أكرر الأمر معك فأحرم من قلب أعجب في يوم ما بما كتبت.

قد لا يقنعك كل ما ذكرته وقد تجدينه مجرد أوهام لا تبرر خلف موعدنا الثالث وتركي رسالتك بغير جواب .. ولكنني فكرت بعد مضي سنة في أن أبعث إليك بهذه الرسالة لأشرح موقفي وأنا متأكد من أنك خير من سيفهم هذه السطور ... أملي أن تظلي صديقتي من خلال ما أكتب ولو قدر لي أن أصل إلى نهاية الطريق فثقي أنك أول من ستمثل صورته في ذهني لينقلني إلى أجمل ذكرى عشتها في أول الطريق الطويل.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٩٧