تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنصتوا -إن شئتم- إلى هذا المثل الرائع الذي يدل دلالة قاطعة على أن مثل السياسة العليا للديموقراطية الإسلامية -التي قررت الاعتراف بحق المطالبة بالحقوق من أي من كان مهما علت منزلته في الجماعة، وواجب إعطاء الحقوق لأي من كان مهما نزلت منزلته في الجماعة- ظلت تحتل مكانها في نفس النبي محمد وهو القائد المظفر كما كانت تحتل مكانتها في نفسه وهو الرجل الضعيف يكافح مع زمرة قليلة من المستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، كان الرسول وهو يقوم بوظيفة القائد العسكري في إحدى غزواته يسوي الصفوف، فانحرف جندي عن الصف فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح كان في يده يعدل به القوم آمرا له أن يقف مستويا في الصف فقال الجندي الصغير للقائد الأعلى، يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني. فهل تغطرس محمد أو تجبر أو أخذته عزة القائد العسكري فقدم جنديه للمحاكمة العسكرية بتهمة إساءة الأدب ومخالفة الأوامر؟، كلا، بل كشف عن بطنه قائلا للجندي البسيط استقد، وهنا سرت الإحساسات الشريفة بالديمقراطية وبالحق وبالتسامح وبالحب من نفس الرسول القائد إلى نفس الجندي المأمور فقبل بطن قائده بعد أن أعطاه الحق في طعنه بالقصاص العادل. وهذا مثل آخر من الأمثال العديدة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتزحزح عن مقتضيات المبادئ الإسلامية التي قامت عليها دعوته الأولى، ولم يستعمل أسلوب الأصولية والانتفاع الخاص مما شاع اليوم في أخلاق ساسة الدنيا وقادتها. انتصر محمد في إحدى غزواته فغنم غنائم من الخدم والمتاع ما جعل بنته فاطمة تتشوف إلى نيل بعض ما يخفف عنها آلام الحياة وصعوبة العيش، وشدة ما تقاسي من تعب الخدمة البيتية وذهبت إلى أبيها المنتصر الغانم تطلب إليه أن يمنحها خادما يخفف عنها ما تلقاه من آلام الطحن في الرحى فلقنها محمد كلمات من الذكر ضبط بها نفسها، وأوقفها عند حدود العفة، وعرفها أنها مخطئة في اعتبار الغنائم غنائم أبيها، أنها غنائم الأمة وأن الأحق بها هم مساكين الأمة وضعفاؤها وأراملها قائلا «والله لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع، ولكن أبيعهم وأنفق عليهم» 8).

أسس محمد للجماعة الإسلامية قواعدها وثبت أركانها، وبنى أسس الحياة الإنسانية فيها على قاعدة، العبودية لله، والأخوة للإنسان، والكرامة للتقوى، والكلمة للعدل، ثم خير فاختار، اختار الرفيق الأعلى، وانتقل إلى رحمة ربه راضيا مرضيا، وخلفه في سياسة الجماعة الإسلامية من بعده أبو بكر بن أبي قحافة فكان سلوكه السياسي في القوم سلوك صاحبه لا يحيد ولا يند، وبنى القاعدة الأساسية لخلافته على أساس أنه مطلق «إنسان» كلف بواجب من الأمر، فلا استئثار ولا استبداد، ولا تحكم ولا استغلال، إنه ليس إلا فردا من الجماعة، فإذا كلفته الجماعة بواجب القيام بشؤونها، فعلى الجماعة أن تقوم بواجبها في النصح والتسديد والتصويب ورده إلى جادة الحق إذا هو خرج عنها، أليس هو القائل في أول كلمة في القوم «أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فردوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق».

ومن بعد أبي بكر جاء الخليفة عمر، ذلك السياسي «العبقري» 9) المسلم الذي جعلته مبادئه الإسلامية يحس بعناصر الحرية تحيا في نفسه كإنسان، فأدرك بوعيه الإسلامي أنها في نفس الآخرين كذلك، وبذلك كان مضرب الأمثال في تمكين الضعفاء المحكومين، من أخذ حقوقهم من الحكام الأقوياء، عمر الذي هتك ستر «البرستيج» القيصري والكسروي في الحكومة الإسلامية وأوقف العمال أبناء الأكرمين أمامه تصفعهم أكف المواطنين المظلومين بالقصاص العدل قائلا للأولين كلمته الخالدة في سجل «حقوق الإنسان» في تاريخ السياسة الإسلامية «متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».

إن الأمثلة كثيرة وغزيرة في تاريخ السياسة الإسلامية وهي كلها تشهد على أن هذه السياسة كانت سياسة المبادئ لا الأشخاص، فعندما أشيع في غزوة أحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات خشي الناس أن يكون

8) من حديث البخاري وأحمد.

9) أطلق المحب الطبيري كلمة «عبقري» على عمر (ض).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٦٣