تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العلم والمال والفن والأدب كل أولئك استووا في التعلق بخرافاته» -بخصوص هذا القرن، وبخصوص ساسته الذين حملوا على السياسة زاعمين أنهم سائرون بالإنسانية إلى أهدافها العليا. قال (هكسلي) «إن أكثر شعوب العالم اليوم أبعد ما تكون عن المثل العليا والاهتداء بهديها» «إنه لا شك أن التقدم العلمي والفني يسير بخطى حثيثة، ولكن تبادل الحب بين القلوب لا يسير مع هذا التقدم جنبا لجنب، وإذن فيس من وراء التقدم العلمي والفني فائدة بل إنه من بواعث التأخر والتدهور في كرم النفوس وطيب الأخلاق».

«إن الدكتاتوريين الاقتصاديين والسياسيين في العصر الحاضر يخترعون الأكاذيب بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ وهم يبثون أكثر هذه الأكاذيب في الدعاية المنظمة التي تنفث الكراهية والغرور في صدور الناس».

«إن تبادل الحب لا يمكن أن يتمكن من القلوب إلا إذا عاد الناس إلى الدين الصحيح والعقيدة في إله واحد ولكن العامة اليوم تعبد آلهة متعددة، فهي تعبد الأمة، أو تعبد طبقة معينة من الناس، أو تقدس الفرد».

«إن أهداف الإنسانية هي بعينها في كل زمان ومكان» «وإن الذين استطاعوا أن يدركوها حق الإدراك وان يخطوا لتنفيذها خطا متشابهة إنما هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من تأثير البيئة والظروف والزمان، ومن دواعي الهوى والتحيز والتعصب، وأولئك -كما يقول هكسلي- ليسوا إلا الأنبياء ورجال الدين ومن اتبعهم من بعض الفلاسفة الأحرار.

لم يضع (هكسلي) إذن الثقة في «السياسي الفيلسوف» بعد أن فقدها من السياسي الأناني المراوغ كما فعل (بارتيليمي سانتهلير) ولكنه وضعها في السياسي المتدين».

لقد وضع (بارتيليمي سانتهلير) مقياسا تاريخيا فسيحا وعادلا حقا كما يقول، يجب أن تؤسس عليه «محكمة قضاء» يمكن أن ترد إليها جميع أعمال الجمعيات القديمة والحديثة وجميع أعمال رجال السياسة والمقننين في كل الأزمان، وديانة الشرك، وديانة المسيحية، هذا المقياس هو «إن كل جمعية أيا كانت صورتها السياسية يجب عليها أن تحترم «حقوق الإنسان» وتكفلها بمقدار معرفتها إياها، تحترمها وتكفلها أولا في ذاتها ثم في جميع النتائج المترتبة عليها» وعلى هذا المقياس التاريخي ناقش (بارتيلمي سانتهلير) أعمال أفلاطون وأرسطو وأعمال من سبقه هو من فلاسفة السياسة ورجالها العمليين، فأثبت منها ما أثبت، وزيف منها ما زيف، غير أن العالم الفرنسي كان أبلغ في التناقض، وأظهر عرضة لتأثير البيئة والظروف والعرق الدساس، وأبعد عن تحكيم مقياسه التاريخي الذي وضعه لمحاكمة الناس وآراء الناس عند ما حكم بـ «أن الجمعية التأسيسية الفرنسية قد فاقت في عملها جميع من سبقها من الحكماء بإعلانها حقوق الإنسان» «وأن الفلسفة ذاتها بلم تكن محيطة بها علما، وأن الديانات الأقدس ما تكون لم تستطع أن توحيها!!» «وأنه إذا كان بين الأمم الحديثة أمة تستحق قصب السبق فهي أمتنا ... » حقا أن العلامة والسياسي الفرنسي كان أكثر عرضة لتأثير الوطنية الضيقة وأبعد عن الاستجابة لنداء الحق عند ما حكم بأن السياسة الفرنسية التي تمثلت صورتها في الجمعية التأسيسية الفرنسية هي وحدها السياسة التي خرجت بريئة أمام محكمة القضاء التاريخية لأعمال الجمعيات السياسية والدينية التي تكلفت بالعمل لخير الإنسان وحقوقه.

ولنضع نحن أمامنا الآن على ضوء هذا المقياس التاريخي الذي وضعه (بارتيلمي سانتهيلر) وحكم به للجمعية الفرنسية، أعمال الجمعية الإسلامية أي أعمال «السياسي المسلم» لنر إلى أي حد استطاع أن يحرر نفسه، ويحرر الإنسانية، أي إلى أي حد استطاع أن يأخذ بزمام الإنسانية للتمكن من حقوقها الطبيعية التي كرمها بها ربها، وخلقها من أجل التمتع بها.

لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم هو السياسي الأول في الجمعية الإسلامية، وبما أن السياسة تعني في أصدق معناها الاشتقاقي، قيادة الإنسانية إلى الخير والصلاح والفلاح والحياة السعيدة، فقد كان محمد سياسيا مسلما بأصدق ما تكون هذه الكلمة، علما وعملا، مبدءا وخلقا، وتحقيقا في عالم الواقع التاريخي، وهو صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن بدعا من الرسل قبله في مبادئ هذه السياسة وأصولها، وأغراضها وغايتها، -فجميع رسل الله من قبله كانوا ساسة لأممهم بهذا المعنى الشريف والأقدس للسياسة، فمحمد صلى الله عليه وسلم هو القائل «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم كلما هلك نبي خلفه نبي» 5) -فقد كانت سياسته القرآنية مهيمنة

5) البخاري.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٦٠