تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وثبات لا يسير إلا مذعنا لأمره ومشيئته وهو الحكيم القدير عالم الغيب والشهادة الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، الكلم القدوس الذي يجري أمره في هذا الكون بقدر معلوم لا يتطرق إليه وهن ولا خلل. فالإنسان عبد لله بخليقته وجبلته ولا وظيفة له في الدنيا إلا أن يعبده وينقاد لأمره، ولا معنى لحياته إلا لأن تكون بأجمعها عبودية لله خالصة. وليس من وظيفة الإنسان أن يعين من تلقاء نفسه منهاجا لعبوديته، بل إنما ذلك على الله الذي خلقه وجعله عبدا من عباده. فقد أرسل الله تبارك وتعالى إليه الرسل وأنزل معهم الكتاب لهدايته وإرشاده إلى طريق الخير والسعادة. فواجب عليه أن لا يقتبس نظام حياته إلا من تلك المشاكاة المضيئة النيرة. ثم إن الإنسان مسؤول أمام ربه عما كسب واكتسب في حياته الدنيا، وما حسب بين يديه في الدار الآخرة، لا في هذه الدنيا. وما هذه الحياة الدنيا إلا بلاء له من ربه ليختبره. فالإنسان ينبغي له أن لا يضع لحياته غاية يطمح لها ببصره ويسعى وراء تحقيقها إلا أن يكون من الفائزين في الدار الآخرة عند ربه. والإنسان داخل في هذا الامتحان بجميع قواه، فإن فيه ابتلاءا لجميع قواه ومواهبه وامتحانا لحياته من جميع نواحيها. فهو يختبر في جميع ما يحاوله ويزاوله من الأشياء في هذه الدنيا اختبارا خالصا لا يشوبه شيء من أدران هذا العالم.

أضف إلى ذلك أن هذا الاختبار يقوم به الذي عنده علم الكتاب والذي لا يقف علمه ومعرفته عندما سجله عن أعمال الإنسان وحركاته على جميع أجزاء هذا الكون من الأرض والهواء والماء وأجواء الفضاء وفي قلب الإنسان وذهنه ويده ورجله، بل يحيط علمه بكل ما يخطر في نفس الإنسان من الهواجس والإرادات ولا يعزب عنه منها شيء.

هذا هو جواب الإسلام عن مسائل الحياة الأساسية، وهذا هو تصوره للكون ومنزلة الإنسان فيه. وهو يعين الغاية الحقيقية السامية التي ينبغي أن تكون الغاية القصوى من مجهودات الإنسان ومساعيه في هذه الدنيا - ألا وهي «ابتغاء وجه الرب تعالى ونيل رضاه». فهذا هو المقياس الذي يقاس به في نظام الإسلام الخلقي كل عمل من أعمال الإنسان ويحكم عليه بالخير أو الشر. ثم إن هذا التعيين يزود الأخلاق الإنسانية بمحور تدور حوله حياة البشر بحذافيرها، فلا تبقى بعد كسفينة في البحر تتقاذفها الرياح وتقلبها الأمواج يمينا وشمالا. وكذلك يضع هذا التعيين بين يدي الإنسان غاية حقيقية يمكنه بعدها أن يعين لجميع الصفات الخلقية في الحياة حدودا ومنازل وصورا عملية ملائمة لكل واحدة منها، كما يظفر من أجلها بالقيم الخلقية ( Ethical Values) المستقلة التي لا تزال قائمة متأصلة في مكانها على تقلبات الأحوال والشؤون. وفوق كل ذلك إذا تعين ابتغاء وجه الرب ونيل رضاه غاية منشودة للإنسان ومرمى لمساعيه وجهوده، فقد ظفرت الأخلاق البشرية بغاية سامية تمكنها من الارتقاء الخلقي إلى ما لا نهاية له من معارج النمو والرقي ولا يشوبها أبدا أدناس عبودية الأغراض والمآرب النفسية في مرحلة من مراحل سيرها الحثيث.

فكما أن الإسلام ينعم علينا بفضل تصوره للكون والإنسان بهذا المقياس، يزودنا في الوقت نفسه بوسيلة دائمة لمعرفة الحسن أو القبح الخلقي. والإسلام لم يحصر علمنا بالأخلاق على العقل أو المشيئة أو التجارب أو العلوم الإنسانية فقط، حتى تتغير أحكامنا الخلقية بتغير هذه الوسائل الأربع ولا يقر لها قرار أبدا. بل الإسلام يمنحنا مرجعا ثابت الأركان يزودنا بالتعاليم الخلقية في كل حال وزمان؛ إن ذلك المرجع هو كتاب الله وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)؛ وهذه التعاليم ترشدنا إلى الطريق الأقوم وتضيء لنا الخطة المستقيمة في كل شأن من شؤون الحياة من أتفه المسائل البيتية إلى مسائل السياسة الدولية العظيمة ومشاكلها الخطيرة. ونجد فيها انطباقا متسعا لأصول الأخلاق على شؤون الحياة المختلفة لا نحتاج بعده في مرحلة من مراحل الحياة إلى وسيلة للعلم أخرى.

ثم نجد في تصور الإسلام هذا - للكون والإنسان- تلك القوة الوازعة التي لابد لقانون الأخلاق أن يكون مستندا إليها، وهذه القوة قوة خشية الرب تعالى والإشفاق من المسؤولية الأخروية والخوف من سوء العاقبة في المستقبل السرمدي. ولا ريب أن الإسلام يريد أن يوجد ويهيئ من الهيئة الاجتماعية والرأي العام ما يحمل الأفراد والطبقات ويجبرهم على القيام بالقواعد الخلقية والدأب عليها، كما يريد أن يقيم نظاما سياسيا يتمكن بسلطانه من تنفيذ القانون الخلقي في الناس بالقسر، إلا أن الحقيقة، مع ذلك، أنه لا يعول على هذا الوازع الخارجي مثل ما يعول على الوازع النفسي الذي تنطوي عليه عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر. ومن ثم يريد الإسلام - قبل أن يأمر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٤٧