تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فرنسيين أو إسبانيين، التصميم الذي يمليه كوننا عربا وكوننا مسلمين، وكوننا إلى جانب كل ذلك نتحرق شوقا إلى التحرر الكامل في جميع مظاهره السياسي والاقتصادي واللغوي والفكري، ونتحرق شوقا إلى أن محترمين موفوري الكرامة، وإلى أن نحتل مكانتنا الدولية اللائقة، وإلى أن ننظم علاقاتنا مع غيرنا على أساس التعاون من أجل السلام والحرية والاحترام المتبادل بين جميع الناس.

قلنا في أول هذا الكلام أن أعظم صعوبة تعترض طريقة هذه المجلة، هي ما يعانيه المثقفون بصورة خاصة في بلادنا من البلبلة والاضطراب والتوتر، ذلك أن المفروض في كل مجلة ثقافية أنها ملتقى المثقفين والمفكرين: والحالة التي يعيشها المثقفون في بلادنا والتي شرحنا بعض جوانبها تحول بين الكثيرين منهم وبين أن يكتبوا أفكارهم ليطلع عليها الناس، إما لأنهم غير واثقين منها، وإما لأنهم يشفقون على أنفسهم من الإفصاح عن آرائهم في جو مضطرب مكهرب مشحون. وإما لأنهم هم أنفسهم بحاجة إلى مدة حتى تتبلور أفكارهم وتهدأ أعصابهم وتذهب عنهم حالة التوتر والقلق والحيرة.

وهكذا تخسر هذه المجلة، أو أية مجلة ثقافية أخرى يمكن أن تظهر في المغرب في مثل هذه الظروف، مساهمة عدد كبير - نسبيا - من الباحثين والكتاب والشعراء والقصاصين.

وهناك قضية أخرى ذات أهمية كبيرة في هذا المجال، وربما كانت أثرا من آثار احتكاكنا بالفرنسيين المعروفين في العالم بصورة خاصة بما يدعى بالبرلمانية، أي الجدل السياسي الذي لا يستهدف في الغالب إلا الظهور بمظهر المتفوق في القدرة على الكلام، واستخدام المنطق المصطنع، والعمل على كبت الخصم وإسكاته وإقامة الحجة عليه. ولو كانت حجة لا تقوم على أي سند آخر غير لفظي.

هذه (البرلمانية) قد ابتلينا بها بصورة واسعة مشوهة إلى الحد الذي كان يشل تفكيرنا، وكاد يشغلنا عن مواصلة العمل الجدي البناء في الميادين الأخرى ذات الصيغة غير السياسية الواضحة، بل إلى الحد الذي كاد - منذ الاستقلال حتى الآن- أن يعرقل أعمالنا حتى في الميادين السياسية نفسها.

هذه (البرلمانية) تجني علينا فيما تجني، أنها تساهم في الحيلولة دون ظهور حركة فكرية مشرفة بالمعنى الصحيح، لأنها تشغل الوقت كله، والفكر كله، ولأنها تعمي السبل، وتخلط بين المفاهيم، وتحجب الحقائق في أجواء كثيفة من الظلام والضباب.

وعلى القارئ أن يتصور وحده كيف يمكن لمجلة ثقافية كهذه أن تصدر بانتظام في مثل هذا الجو، وأن تصدر حافلة في كل شهر بمختلف الدراسات والمقالات والأبحاث والقصائد والقصص والتعليقات، وعليه وحده أن يتصور الجهد المبذول في حمل الكتاب على أن يكتبوا، وحمل النقاد على أن يدلوا بآرائهم فيما يقرؤون، وحمل الشعراء على أن ينفضوا عن شاعريتهم ما ران عليها من الغبار، وأن يفتحوها على صور الكفاح في بلادهم، وعلى موكب الزحف العربي في كل بلاد العروبة، وعلى موكب الإنسانية في صراعها من أجل السلم والحرية والكرامة الفردية والاجتماعية.

ومع ذلك فقد قطعت هذه المجلة من عمرها سنتين، وهاهي تدخل اليوم في سنتها الثالثة أكثر عزما وتصميما على السير في طريقها حتى النهاية، مهما تكن الظروف المحيطة بها، ومهما تتلاطم من حولها الأمواج.

إن لهذه المجلة رسالة، هي أن تخلق للفكر دولة في المغرب، وعليها لذلك أن تفسح المجال لكل رأي سديد بعيد عن التعصب والكراهية والكيد، ولا عليها أن تكون - كما يلاحظ أحيانا- ملتقى لخليط من التيارات الفكرية، فإن علينا أن نضع أفكارنا كلها على الصعيد، وأن نتيح لها الفرصة لتتعرف على بعضها وتتفاعل، لكي تتبلور أخيرا عن تيار فكري واحد، أو عدة تيارات متجانسة متكاملة.

وقد وفت المجلة لرسالتها هذه خلال السنتين الماضيتين، وهي اليوم تدخل سنتها الثالثة أكثر ما تكون وفاء لهذه الرسالة، وتشبثا بها وحرصا عليها.

لقد كان رائدنا منذ اليوم الأول هو النزاهة والحكمة والتجرد والإخلاص والإرادة الحسنة، وكان من الطبيعي نتيجة لكل ذلك أن تبلغ هذه المجلة ما بلغته من نجاح حتى اليوم وهي موقنة - ما دامت مصممة على التمسك بهذه الصفات- إنه لن يصادفها فيما تستقبل من عمرها المديد إلا المزيد من النجاح.

دعوة الحق

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٤٤