تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 .................... ص 57

قصة تاريخية: ألف رجل

للأستاذ: العربي العمراوي

الصحراء المغربية في حركة دائبة ونشاط غير معتاد، فالقوافل تملأ الطرق وتخترق البيداء، جمال ونوق خفاف قد التصقت جلودهم السمراء بعظامهم الصلبة وأعصابهم القوية، وكأنها حبال من حديد.

تنظر فلا ترى وجوها، وإنما ترى أجساما ممشوقة عليها أردية زرق، وأخرى بيض، قد دبت الزرقة إليها لكثرة احتكاكها بالأردية الزرقاء، ومن هذه الأجسام تطل عيون سوداء شديدة اللمعان.

إن سكان الصحراء يتجمعون اليوم احتفاء بأميرهم يحيى، الذي رجع من الحجاز وإن هذه الفرصة لا تتاح في السنة إلا مرة واحدة، يضاف إليها هذا العام خبر اخترق كل الأنحاء واقتبله الناس بالرضا تارة وبالحذر تارة أخرى؛ ذلك أن أميرهم قد اصطحب معه شابا في مقتبل العمر، قد كرع ينابيع العلم المتدفقة، وارتوى بتعاليم الدين، وهو اليوم يريد أن ينشر هذه التعاليم في أرجاء الصحراء الشاسعة الأطراف، الرابضة بين بلاد البربر في الشمال وبلاد السودان في الجنوب.

ولكن ماذا عسى أن تكون هذه التعاليم؟ إنهم يعرفون أن الإسلام أن يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا شيء أكثر من هذا، فماذا يريد أن يعلمهم هذا الشاب الذي ورد من الشمال بصحبة الأمير الجليل؟ هل سيعلمهم كيف يتغنون بكلمة الشهادة؟ إنهم لا يحتاجون لمن يعلمهم هذا أيضا، فكم صدحوا بها رافعين عقيرتهم يحدون إبلهم لتروح إلى مضاربهم أو يقطعون بها طريقهم التي تطول وتطول، وقد اشتبهت أجزاؤها والتبس أولها بآخرها، فلولا ظلهم الممدود على الأرض لما علموا هل هم في أول الطريق أو في مؤخرها. وإن كلمة الشهادة لتشق عواطف الرمال وقد أخذ الرعاة يتغنون بها ويقطعون سحابة نهارهم الطويل متنقلين بين الواحات الصحراوية الغنية بالأعشاب.

وهكذا كثر تساؤلهم عن مهمة هذا الشاب الوارد بصحبة الأمير. ولكن عليهم أن ينتظروا الأيام الثلاثة الباقية لوصولهم.

وصلت القوافل تباعا، وضربت خيامها حول قصر الأمير واكتست الرمال الحمراء بالكتل البشرية، فلم يعد الناظر يرى إلا زرقة في الأرض وزرقة في السماء ويحسب الغريب أنه أمام جماعات من النساء أسدلت كل واحدة لثامها على سمرتها، وبقيت العيون شاردة فيما حولها متفحصة ما تراه.

وحل الموكب المنتظر، فاستقبله الناس بالبهجة ضاربين في دفوف كبيرة مستديرة، راقصين على نغماتها المبحوحة، وأكرموا الفقيه الشاب ضيف أميرهم ومدوا السماط ووضعوا عليه الطعام. لكن الشاب لا يكاد يمد يديه إلا قليلا، وإلا عند ما يلح عليه الحاضرون، فهو بالإضافة إلى أنه قليل الأكل لم يجد على المائدة ما اعتاد أن يجده في بلاده، فلا خبز لأنهم لا يعرفون حرثا، ولا فاكهة لأنهم لا يعرفون غرسا، وإنما هناك لحوم الجمال لم يتم نضجها، وأواني طينية ملئت بلبن النوق

ومضت أيام الاحتفال فانقلب فرح الناس بعبد الله بن ياسين إلى تذمر منه، ومن رغبة فيه إلى رغبة عنه، ذلك أن تعاليمه التي حملها إليهم كانت قاسية، وأن أفكاره فيهم كانت شاذة، وأن أوامره لهم كانت لا تطاق، ولا يمكن أن يتحملها شعب عاش في الصحراء طليقا ورضع الحرية مع ألبان عذبة دافئة.

إن الرجل منهم يتزوج ما شاء من النساء، فهو يتردد بينهن مستمتعا متسلطا، فكيف يستطيع أن يقتصر على أربع نسوة لا تشبع نهمه للتحكم والسيطرة. وإنه يأكل ما شاء ومتى شاء، فكيف يقلع عن الأكل طول النهار خلال شهر كامل؟ وكيف يترك اللبن يدب إليه الفساد بحرارة الجو وبه ظمأ شديد إليه؟ كيف يستطيعون كذلك إعطاءه من نوقهم في كل سنة عددا يقدره هو، وهم الذين تعهدوا ونموها إلى أن كثرت ونما قطيعها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٢