تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 .................... ص 37

عفوت لكم عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة .. الحديث، -والرقة: الفضة والدراهم المضروبة منها-

ويراد بالفيء ما يسره الله لرسوله من أموال الأعداء دون حرب أو قتال، وآية الحشر تشير إليه: ?وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... ? (الآية6 - 7) ويراد بالخمس من الغنائم الحربية ما أشارت إليه آية الأنفال ?وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ... ? (الآية41).

ويقصد بالجزية ما توحي به آية التوبة: ?قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ? [الآية 29].

وأما التبرعات فيمكن الاستدلال عليها من مفهوم آية السورة السالفة ?خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ... ? (الآية 103)، ولما ورد من أن مجاعة حلت بالمسلمين في عهد الرسول (ص) فنادى المنادي: أن تقدموا معشر الموسرين وليجد كل منكم بفضل من ماله لإخوانه الفقراء، وتقول الرواية إن الموسرين تباروا بالدفع وقدموا الأموال حتى انتهت الأزمة، ومن قول عمر ابن الخطاب: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء وقسمتها على الفقراء).

تلك هي الموارد الخمسة في الإسلام، وأما المصارف فهي لا تخرج كما قلنا عن نطاق هذين الاعتبارين: المصالح الفردية، ومصالح الإسلام العامة، والقرآن فيما يخص الزكاة ينص على أن مصارفها ثمانية أنواع، وجمعها في هذه الآية: ?إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ? [التوبة: 60]، وفيما يخص خمس الغنائم نص على أن المصارف خمسة أنواع وهي قوله: ?وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ? [التوبة: 41]، ومن الطريف أن نذكر هنا أن مفسري الشيعة يوجبون هذا الخمس في جميع ما يكسبه المسلم في سلم أو حرب أو تجارة، فكأنهم بذاك يقرون ما تقرره الأنظمة الضرائبية الحديثة مما يسمى بضريبة الأرباح والدخل، ويدخل ضمن خمس الغنائم التعويضات الحربية التي يفرضها الغالبون على المغلوبين .. وفيما يخص مصارف الفيء ينص القرآن على أنها نفس مصارف خمس الغنائم حيث تصرح آية الفيء: ?مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ? [الحشر: 7] ومما لا شك فيه أن كل هذه الأنواع يمكن حصرها في الاعتبارين اللذين ذكرناهما سابقا .. وعدم تنصيص القرآن على مصارف الجزية أو مقدارها، وعدم ثبوت شيء من هذا القبيل في كتب السنة، هو أولا من حيث أن آيتها لم تنزل لتشريع الجزية كما الحال في الزكاة والفيء والغنائم، وثانيا للإيذان بأن مقدارها من خصوصيات الدولة، وأن مصارفها لا تخرج عن مصارف الزكاة.

ومن المؤكد -والآيات الواردة في شأن مستحقي هذه الأموال تقنع الإنسان بذلك- شمولية التشريعات الإسلامية في هذه المصارف، أو بالتعبير العصري في ميدان الضمان الاجتماعي، فالقرآن لم يخص بهذه الأموال المسلمين فحسب، ولكن إطلاق آية يؤكد في جزم ووضوح أن هذا النظام في المحيط الإسلامي يشمل أيضا وبالأصالة جميع رعايا الإسلام، حتى ولو لم يكونوا يدينون بمبادئه، أو يؤمنون بعقائده، وهذه الشمولية لا من حيث العطاء فحسب، ولكن من حيث الإعفاء من الواجبات أيضا، متى ثبت عجزهم وعدم قدرتهم على الأداء. مر عمر بن الخطاب بطريق الشام، عائدا من بيت المقدس إلى المدينة، على قوم قد أقيموا في الشمس فقال: ما بال هؤلاء؟ فقالوا: عليهم الجزية لم يؤدوها، فقال عمر: فما يقولون هم؟ وما يتعذرون في الجزية؟ قالوا: يقولون: إنا لا نجد، قال: فدعوهم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإني سمعت رسول الله يقول: لا تعذبوا الناس، فإن الذين يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة، وأمر فخلي سبيلهم؛ وبهذه المناسبة نقرر أن الجزية ليست إتاوة مفروضة على المخالفين للإسلام لعدم رضوخهم لأحكامه، وإنما هي في الحقيقة والواقع للدفاع عن حقوق وحرية من تؤخذ منهم، ففي كتاب الخراج لأبي يوسف .. اضطر المسلمون للانسحاب مرة من إحدى المدن، فكتب أبو عبيدة إلى كل وال خلفه في المدن التي صالح أهلها: يأمرهم أن يردوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج، وكتب إليهم أن يقولوا: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحسن لكم على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم أن نصرنا الله عليهم .. قال أهل الذمة ... -أو رعايا الإسلام بالتعبير الحديث، وقد ردت إليهم الأموال التي أخذت منهم: ردكم الله علينا، ونصركم عليهم، فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئا، وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئا ...

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ................... ص 66

تابع للصفحة 37

ثم الإسلام حين قرر دور المال، ومورده ومصارفه، أعطى القائمين على شؤون الدولة الإسلامية، بمشاورة أرباب الحل والعقد وأهل الرأي، كامل الحرية ومطلق التصرف في توزيع هذه الأموال وفق الأصلح والأجدى للطبقات المعوزة، ووفق الخطوط العامة للتلقينات القرآنية والنبوية التي توجب على خزينة الدولة مساعدة هذه الطبقات الفقيرة، وتوزيع الأنصبة المخصصة لهم في موارد هذه الخزينة على الطريقة المثلى التي تكفل لأفرادها راحة البال، وتنجيهم من ضائقات الحرمان والذل والمرض، وتتيح لهم الكفاية من العيش، وتقيهم شرور الأفكار الهدامة، التي تجتاح عالمنا الحاضر بكيفية خطيرة اضطرت معها جميع الدول العالمية إلى سن قوانين تحد من الجيشان الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، وتخفف من غلواء التفاوت الفاحش بين طبقات مختلف السكان، ونعتقد أن لا أحد يمانع -لتحقيق هذه الأغراض الإنسانية النبيلة- من اتخاذ جميع الخطوات والإجراءات اللازمة، ولو بسن ضرائب جديدة على جميع الأغنياء حسب ثرواتهم وأرباحهم، حتى تزداد قدرة الدولة على مساعدة الطبقات المعوزة البائسة.

للحديث صلة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٤٢