تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 .................... ص 33

الإسلام وحقوق الإنسان

للأستاذ: رشيد الدرقاوي

-3 -

كثيرا ما يستعمل لفظ المساواة وخاصة لدى رؤساء الشعوب وزعماء الأحزاب والهيئات وهو لفظ براق أخاذ مثل الديمقراطية، يستهوي الألباب ويتلاعب بالعقول، وقد يرمي مستعمله إلى تضليل الحقيقة في أغلب الأوقات وعند أكثر الهيئات، وبذلك يقع كثير من المنصتين إليه في شركه الذي نصبه لهم، سيما إن كان من أولائك الذين وهبوا فصاحة في اللسان وسحرا في البيان. ولم يعرف للمساواة مدلول قبل الإسلام حيث كان نظام الطبقات سائدا، وذلك عندما كان الناس ينقسمون إلى الأقسام الآتية:

1) رجال الدين 2) رجال الحكم 3) عامة الناس. فكان القسم الأول، وهم رجال الدين، يتبوأ مقاما أرفع ومكانا أعلى، يتلوه في المنزلة رجال الحكم. وكلا القسمين يعمل على تسخير قسم العامة لمصالحه وابتزاز ثروته؛ الأول باسم الدين وطاعة منزله، والثاني باسم السلطة الدنيوية. فكانت الحياة مقسمة بين الناس ذلك التقسيم الجائر والغير العادل، الأمر الذي لا يجعلها طبيعية معه حتى جاء الإسلام وقرر مبادئ وحقوقا كان من أروعها المساواة. جعل الناس كلهم سواء، أبوهم آدم وأمهم حواء لا فضل لأبيض على أسود ولا لعربي على عجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح. يقول الله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? [الحجرات: 13]. فهذا المبدأ يجعل الناس سواء في الانتساب إلى الجامعة الإنسانية، ويخولهم حق التمتع بهذا الحق المشاع بين الناس جميعا من غير أن تختص به طبقة دون أخرى، ولا أن يمتاز به فريق عن فريق، كما كان الشأن قبل الإسلام، وذلك ما يدل على فساد نظام الطبقات وعدم صلاحيته، مما جعل الإسلام يتنكر له. ومن صوره الدالة على فساده أن مقاييس الاقتصاص من المجرم كان ينظر إليها من الناحية الاجتماعية ارتفاعا وانخفاضا، فإذا كان من صدرت منه الجريمة الموجبة للقصاص أحد أولائك المحظوظين الذين تتكون منهم الطبقتان الأوليان لم يجرؤ أحد على القول بالقصاص حيث أن هؤلاء لم تجر عليهم القوانين ولم تنلهم العقوبات، أما أولائك الذين خانهم الحظ ونزل بهم القدر إلى الطبقة الثالثة فالويل لهم إن أجرموا أو فعلوا ما يستوجب عقابا، على أن أغرب ما في الأمر هو أن القصاص يتلون بتلون الحكام وإن تشابهت دواعي الجريمة وأسبابها. كما أن الضريبة والإتاوات تنتزع قسرا وقهرا من هذه الطبقة السيئة الحظ وتعفى منها طبقة الوجهاء والنبلاء والسادة الذين يرتعون في بحبوحة الترف والبذخ على حساب البؤساء الذين تنكر لهم وجه الزمان، ولم يرفرف على سمائهم جاه ولا سلطان. وأما المناصب والمكافآت فهي وقف على ذوي الجاه، والذين يتملقونهم، محظور عليهم أن تنزل إلى من دونهم فضلا عن أن تشملهم ولو بقليل من عطفها، فهذه الأمثلة تصور نظام الطبقات وعيوبه. وطبعي أن نظاما مبنيا على الميز والاستغلال كهذا لابد أن يكون له أسوأ الأثر في نفوس أولائك المضطهدين والمستغلين استغلالا عاريا عن الرحمة، وأن يحدث في تلك النفوس تذمرا وسخطا عميقين يحفزانها إلى الوثوب على المستبدين المرهقين ويثيران فيها دوافع الانتقام الكامنة، وذلك ما يمكنهم عندما تسنح لهم الفرص من إشباع نهمهم من لحوم أولائك الذين أرهقوهم. وإرواء ظمئهم من دماء ممن اضطهدوهم، على أن هذا الجو الثقيل قد يسبب حتما انتشار الفوضى ويخلق الفتن والقلاقل مما تصير معه الحياة لا تحتمل.

ففي هذا الجو المكفهر المظلم شق نور الإسلام هذا الستار الكثيف من الظلام وأضاء العالم وهو يدعو إلى المبادئ التي شرعها لخير الإنسانية والتي من بينها المساواة في الحقوق وفي التكاليف، ولم يكن الإسلام ليترك هذا الحق، كغيره من الحقوق والمبادئ التي قررها وشرعها، دون حماية ورعاية، كيلا يعبث بها ويتخطى حدودها. وبهذا المبدأ النبيل السامي استطاع الإسلام أن يمحو الفوارق البغيضة ويزيل التفاوت الضار المقيت بين طبقات الإنسان بحيث لم يبق هناك ?

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٣٨