تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ...................... ص 18

والأغلبية من كتابهم على هذا الاعتقاد، فإنا نرى من تحليلهم للعقلية الشرقية، أي الإسلامية، وتفسيرهم لعقدة القضاء والقدر عند المسلمين، ما ينبئنا بحقيقة رأيهم فينا وفي ديننا. وقد صارت لفظة (مكتوب) عندهم مما يتندر به علينا لأنها ترمز إلى الاستسلام والرضى بالواقع كيفما كان.

وإذا كان هذا رأي مثقفيهم، فما بالك بعوامهم، وهم السواد الأعظم، ويرشدك إلى هذا محافظة المسيطرين في البلاد الإسلامية على العوائد البالية والبدع الضالة، بدعوى أنها محافظة على الدين واحترام لشعور المسلمين، وهم إن كانوا صادقين في ذلك لم يخالفوا عما قاله الشاعر العربي حين قدم خيبر فقيل إن شئت ألا تؤذيك حماها فانهق ببابها عشر مرات:

وقالوا احب وانهق لا تضيرك خيبر وذلك من (دين اليهود) ولوع

لعمري لئن عشرت من خشية الردى نهيق حمير إنني لجزوع

وهل هذا من دين اليهود؟ ولكن هل يكلف الأجنبي -كهذا الشاعر- نفسه بدراسة دين القوم حتى يعلم ما هو من دينهم وما ليس منه؟ ...

الواقع أننا بانحرافنا عن ديننا وعدم إتباع جادته، وتأويلنا لأصوله حتى يشايع أهواءنا، واهتمامنا بالنوافل منه دون الفروض، قد نشرنا له دعاية سيئة بين الأجانب، وفي الوقت الذي كثر فيه اهتمام الناس بأمر الدين وتطلعت النفوس إلى الحياة الروحية بعد فشل الحياة المادية في إسعاد البشر، في هذا الوقت الذي يوجب علينا أن نعرض الإسلام أجمل عرض لنحببه إلى هذه النفوس التواقة، ترانا نصد الناس عنه صدا ونقيم بينهم وبينه سدا من أقوالنا وأفعالنا واعتقادنا وسلوكنا فنجني عليه وعلى أنفسنا من حيث لا نشعر.

فتلك عقيدة القضاء والقدر مثلا التي أصبحنا نعير بها، ويقال إنها السبب الأول في استسلامنا، ألم تكن هي الحافز لأسلافنا على خوض الموت والاستهانة بصعاب الحياة حتى بلغوا ما بلغوا من العز والسؤدد؟ لأنهم لم يكونوا ينتظرون الأحداث حتى تقع ثم يقولون هذا ما قدر الله، بل كان الواحد منهم يهب لمقارعة الخطوب ومنازلة الحوادث، فإما إلى الصدر وإما إلى القبر، فلما عكسنا نحن القضية وفهمناها فهما مقلوبا، أخلدنا إلى الأرض، وصرنا نتعلل بالأوهام. وكيف يصح أن يكون المكتوب حجة للمغلوب والله عز وجل يقول: ?وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ? [النساء: 103]

فهذا أحسن تفسير لهذه العقيدة، وهو أنه إذا كان الموت -مثلا- أمرا مقدرا وقضاء محتوما فلماذا الجبن والخور والضعف والوهن مع ما أعد الله للشهيد من الثواب الجزيل والنعيم المقيم ... ؟

وهكذا كل تعاليم الدين الحنيف، لو أقمناها كما أمر الله لاستقام حالنا ونجح سعينا، وأدال الله لنا من عدونا، وعلت كلمتنا على الكلم، وكان في ذلك دعاية وأي دعاية للإسلام، وظهور له وأي ظهور على الأديان، ولدخل الناس فيه أفواجا وعمت هدايته العالم أجمع. فجربوا الإسلام أيها المسلمون ...

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢٣