تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ....................... ص 12

بين الجمود والجحود

للأستاذ الكبير: السيد المختار السوسي

حدث بعضهم قال: كنت في حين من الأحيان منهمكا في شغل متعب حتى ضجرت ضجرا عظيما حال بيني وبين الطمأنينة التي أستمد منها دائما في حياتي متعة الحياة، ولذة الفؤاد، فتمنيت لو أتيح لي سفر مريح أسترد به ما فقدته من البهجة والسرور، فلم يطل الزمان عن جولان هذه الأمنية في صدري إذ ألقى إلي موزع البريد هذه الرسالة:

وجدة 20 ربيع الثاني 1340

الأخ الذي لا أنساه ...

لا أدري هل تسر كثيرا باقتراح سنح لي أمس أن أعرضه عليك، فقد أجمعت على أن أعقد من أسرتنا مجمعا عاما، لحل ما كنت أشكو إليك به دائما من أننا إخوة أربعة، كل واحد منا مول وجهته إلى فكرة ارتضاها لحياته.

فأخونا الأكبر السيد العربي، غارق في صوفيته، لا ينبغي بها بديلا، ولا يرى للذتها في الحياة مثيلا، حتى أداه ذلك إلى أن كاد يطلق أسباب المعاش، فأوشك أن يقف على عتبة الإعواز، وأن يعرض ما بيده من الرباع والعقار للبيع.

وأخي الآخر السيد سعيد سادر في غلوائه، يتسكع بين المقاهي البلدية القديمة، فلا يكاد يفارق متجره الذي يتابع فيه النمط القديم في المقايضة والأخذ والعطاء، حتى يندغم ثانيا بين جماعات أغمار أنذال، ثم لا يزال الأفيون والحشيش والمعجونات المخدرة تفعل فعلها فيهم إلى أن يبهار الليل، وربما يبقون كذلك إلى الثلث الأخير، وفي هذا يمضي جل دخله، وإن كان ما يدخل عليه ليس بقليل، ومتى عاتبه معاتب على ما فيه تظاهر حينا بالتوبة والإقلاع، وحينا احتج بالقضاء والقدر، وهو كما تعلمه منه لسن لا يعوزه البرهان، ولا ينقصه علم يستمد منه الأجوبة المقنعة، إلا أن الواقع أنه سائر في طريق غير محمود العاقبة، ولا مرجو السلامة.

على أنه أحسن حالا في الجملة من أخينا الآخر الصغير، العظيم الطيش، الكثير النزق، الذي لم يدع له تفرنجه أذنا يسمع بها نصيحة من أحد بين قومه، فقد رأى من نفسه بعد أن حاز الدكتوراه في الحقوق وفي الأدب، أنه من أعاظم العالم، فلم يسمع لما كنا نسديه إليه من نصح يوم عاقد تلك المرأة النمساوية التي اقترن بها، اقترانا مدنيا، ثم أقبل بها إلى قومه، فلم تزل تستنزف ماله بتبرجها وتبذيرها، وحياته وعقليته بمعاقرتها، حتى كاد يقف موقف المدقعين، فلم يجد بدا من مفارقتها ليسترجع حريته، ولكنه حين لم يكتسب عقلية قومه الذين يعيش بينهم، وليسوا تحت بصره إلا همجا رعاعا جهالا، صار كالزئبق الذي يترجرج في كف المرتعد، فلا يستقر على حال، ولا يكاد يستبين محجة تعبد أمامه إلى الحياة، فنظرت إليه نظرة الإشفاق والحنو لمكانة الرحم بيننا، وقد تناسيت كل ما كنت سمعته منه قبل اليوم من المجابهة بالسوء -فواصلت به يدي- وأتيته من الباب الذي أعرف أنه لا ينفتح لعقله سواه، فلم أزل أرادّه بأقوال حكماء الفرنج، وأمثل له حياتهم، حتى أسلس القياد لما أقوله، فاستطاع أن يقر به قرار في عمل جديد استقبله، ولم يبق إلا أن أراوغه على الزواج من امرأة من قومه الذين يعيش بينهم، فلم يزل معي ولم أزل معه في ذلك بين اختيار وشروط، حتى وقع رضاه على إحدى الأوانس التي ربما ترضيه إن تماسك عن ميدان تفرنجه ولو تماسكا ما، فها هو ذا قد أملك، وسيعرس في شوال إن شاء الله، كذلك كان الأخ حماد أصلحه الله.

إنني كنت دائما في حيرة من هؤلاء الإخوان الثلاثة، فبينهم جميعا بون بعيد، فقد انقطعت صلة الرحم بينهم، وذهبت وصية والدنا المرحوم هباء منثورا، فقد كان آخر ما وصانا عليه ونحن نغمض عينيه، أن نجعل أمرنا واحدا، وشملنا مجتمعا، وأن ?

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٧