تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن القيم – رحمه الله -: " والشكوى إلى الله - عز وجل - لا تنافي الصبر، فإن يعقوب - عليه السلام - وعد بالصبر الجميل – والنبي إذا وعد لا يخلف – ثم قال: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ ﴾ (يوسف: 86 )

وكذلك أيوب - عليه السلام - أخبر الله عنه أنه وجده صابراً، مع قوله:﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

... ... ... ... ... ... ... ... (الأنبياء: 83 )

و إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأي بعضهم رجلاً يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك !! ثم أنشد:

وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم، فإنه بك أرحم

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

(مدارج السائلين:2/161)

وقد التزم سلفنا الصالح – رحمهم الله تعالى – هذا الأدب، فكانوا يكتمون ما أصابهم، ولا يشكون مولاهم إلى خلقه. فهذا داود الطائى – رحمه الله – يدخل عليه رجل وهو على فراشه، فرآه يزحف، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال داود: مه (1) ، لا تُعلم بهذا أحداً. وقد أُقعِد (2) قبل ذلك بأربعة أشهر لم يعلم بذلك أحد (3) .

(1) مه: أي: كفّ عن الحديث وهي كلمة زجر وفهي (تهذيب اللغة:5/384).

(2) أُقعِد: أي: صار مقعداً لا حراك به بسبب المرض (تهذيب اللغة:1/204).

(3) (تسلية أهل المصائب صـ216)، وفي سير أعلام النبلاء(4/92): أن عينه ذهبت منذ أربعين سنة ما شكاها إلى أحد .

وقال الأحنف بن قيس: أصبحت يوماً اشتكى ضرسى، فقلت لعمّى: ما نمت البارحة من وجع الضرس، حتى قلتها ثلاثاً. فقال: لقد أكثرت من ضرسك في ليلة واحدة، وقد ذهبت عينى هذه منذ ثلاثين سنة ما علم بها أحد . (الأحياء:4/133)

ـ ولما نزل في إحدى عينى عطاء – رحمه الله – الماء، مكث عشرين سنة لا يعلم به أهله، حتى جاء ابنه يوماً من قبل عينه التي أصيب فيها، فلم يشعر به، فعلم أن أباه قد أصيب.

ما لا يشرع في حق المريض · الصفحة ٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ما لا يشرع في حق المريضص ٢٢