أحداث تلك الأناجيل لا يعمم على فحوى تلك الأحداث، خاصة وأن هذا الإنجيل مخالف للأناجيل الأخرى في موضوع الوحدانية و نبوة عيسى، عليه الصلاة والسلام.
إن المسيحية حسب إنجيل برنابا، حلقة من سلسلة رسالة التوحيد، وهو إنجيل ألفه صاحبه من أجل الدفاع عن الدين الصحيح الخالص بطلب من المسيح نفسه. ومهما كان من أمر تاريخ النسخ التي وصلت إلينا منه، فإنه يبقى أقرب الأناجيل إلى روح الإسلام. ولعل مناهضته للتثليث ومحاجته للمثلثين كان مسوغاً كافياً لما تعرض له من ملاحقات، إنه إنجيل دعا إلى نبذ ألوهية المسيح، إنه إنجيل ضد الذين جَوَّزُوا أكل اللحم النجس ورفضوا الختان، إنه إنجيل يجعل المسيحية لا تشذ عن سياق الوحدانية.
هذا، ولم يكن إنجيل برنابا وحده هو الذي ضاع من التداول، وإنما هناك أناجيل أخرى مثل إنجيل توماس Thomas ويرجع تاريخ تدوينه إلى القرن الثاني الميلادي (70). لقد اختفى هذا الإنجيل منذ بداية القرن الرابع وتلاشى من ذاكرة المسيحيين، إلى أن تم العثور على نسخة منه مكتوبة باللغة القبطية عام 1947م في صعيد مصر.
وهناك نصوص في ذلك الإنجيل دفعت الأوروبيين إلى الوقوع في الخطأ الفاحش بسبب الترجمة. لقد قام جون ديروس Jean Derosse بترجمة هذا الإنجيل إلى الفرنسية، وجاء فيه أن سالومي Salomé، وهي راقصة غنية من أصل عربي تزوجت مراراً قبل أن تعرف عيسى، عليه الصلاة والسلام، قالت له: >من أنت يا رجل ... كي تصعد فراشي وتأكل من مائدتي! <. ونظراً لأن كلمة الفراش قد تستعمل لدى الأوروبيين كناية عن العلاقة الجنسية، فقد نسبت بعض التفسيرات إلى المسيح الزنا بهذه المرأة. بينما كلمة الفراش لدى الشرقيين وأهل اللغات السامية تعني من بين معانيها الكرم، فيقولون: >ركضت في فراشه وأكلت من معاشه< كناية عن كرمه (71).
والذي يتأمل في منطق الكلام الوارد في النص يستطيع أن يستجلي بسهولة براءة عيسى، عليه الصلاة والسلام، مما نسب إليه، إذ لو كانا خليلين لما استغربت منه أن يشاركها الفراش والمعاش ـ على المعنى الخبيث ـ فذلك مما يجري مجرى العادة بين الأخلاء في جميع المجتمعات. والواضح من النص أنه تعظيم وتفخيم لعيسى، عليه السلام، بمعنى أنها تقول له إن مقامك العظيم دفعني إلى فتح أبوابي لك على مصراعيها وذلك لم أفعله مع أحد غيرك بهذا القدر، فأي رجل أنت وما هو قدرك. فيقول لها في موضع آخر: >أنا الآتي من عند السَّويِّ<. ثم تقول له هي: >أنا تبيعتك<، بمعنى تلميذتك: Je suis ta disciple<.
إن مثل هذه الأخطاء الفاحشة التي تنحرف بمفهوم النصوص الدينية في ذهن عامة الناس، بل وخاصتهم، لتدل بالقطع على أن الحقيقة تكمن دائماً في لغة البلاغ الأصلية للرسالات السماوية، ومعرفة دلالات عبارات الخطاب لدى أهل تلك اللغة.
الفرق المسيحية
إن تاريخ المسيحية كان تاريخ انقسامات.
لقد أحصى المتقدمون من علما ء الإسلام، الذين اهتموا بالتأريخ للفرق ومناقشة آرائها، جملة من الفرق المسيحية. ونورد هنا تلخيصاً لما جاء عند بعضهم (72):
* الأريوسيون، وهم أصحاب أريوس، ويقولون بـ:
ـ التوحيد المجرد.
ـ عيسى عليه السلام مخلوق.
ـ عيسى عليه السلام كلمة الله تعالى، بها خلق السماوات والأرض.
* أصحاب بولس بطريق أنطاكية، ويقولون بـ:
ـ التوحيد المجرد الصحيح.
ـ عيسى رسول كباقي الأنبياء، عليهم السلام، خلقه الله تعالى في بطن مريم من غير ذكر، وهو إنسان لا ألوهية فيه. وكان بولس يقول لا أدري ما الكلمة ولا أدري ما روح القدس.