تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا عين الكفر والشرك البواح لتضمنه الاعتداء على أخص خصائص الله تعالى؛ ألا وهي خاصية التشريع، والتحليل والتحريم، والتحسين والتقبيح.

فمن المعلوم من الدين بالضرورة؛ أن الذي يُشرع ويحق له أن يشرع للعباد هو خالقهم ومالكهم، والعالِم بهم وبأحوالهم، وما ينفعهم وما يضرهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ [الكهف: 26]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]، وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 20]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: 10]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]، فكما أن الله تعالى هو الإله المعبود المطاع بحق في السماء، فهو كذلك الإله المعبود المطاع بحق في الأرض.

وقال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]، فالذي له الخلق هو الذي له الأمر، والذي له الأمر هو الذي له الخلق، أما من ليس له الخلق، فليس له الأمر، ولا سمع له ولا طاعة.

وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31]، وذلك عندما اتخذوهم مشرعين من دون الله، واتبعوهم فيما يُحلون ويحرمون ويشرعون بغير سلطان من الله، فسماهم من أجل ذلك أرباباً من دون الله.

فربوبية الأحبار والرهبان هنا لا تعني عبادتهم واتخاذهم أرباباً من دون الله من جهة الركوع والسجود لهم، فهذا لم يحصل، وإنما تعني اتخاذهم مشرعين يُطاعون فيما يشرعون ويحللون ويحرمون من دون الله تعالى، فذلك معنى اتخاذهم أرباباً من دون الله.

ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]، فقوله ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي لا يتخذ بعضنا بعضاً مشرعين من دون الله، نشرِّع، ونحلل ونحرم لبعضنا البعض من دون الله، وبغير سلطانٍ من الله، فهذا تجاوز لمقام العبودية التي فُطر الإنسان عليها، وتعدٍ على مقام الربوبية التي هي من خصوصيات الله تعالى وحده.

حكم الانتخابات والبرلمانات · الصفحة ٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حكم الانتخابات والبرلماناتص ٩٩