الأول في: تلك عشرة ".
والثاني في " كاملة ".
وقد بين الإمام - رحمه الله - المعاني التي أفادها هذا التركيب ولنا إضافة على ما قاله سنوضحها في الخلاصة التي تعودنا على جعلها خاتمة كل مبحث.
ويتابع الإمام البيضاوى ما قاله الإمام الزمخشري ويضيف إليه جديداً فيقول: " تلك عشرة " فذلكة الحساب، وفائدتها ألا يتوهم متوهم أن " الواو "
- أي في " وسبعة إذا رجعتم " - كقولك جالسى الحسن وابن سيرين، وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً .. و " كاملة " صفة مؤكدة تفيد المبالغة في المحافظة على العدد، أو مبينة كمال العشرة، فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها ".
وحذا الإمام الشوكاني حذوهما، ثم قال: إنه مثل " كتبتُ بيدى " والكتابة لا تكون إلا باليد.
ويسوق غيرهم شواهد من الشعر العربي على تأصيل هذا الأسلوب في لغة العرب، مثل:
فسرتُ إليهمُ عشرين شهراً
وأربعة فذلك حِجّتان
أى: سنتان. وقول الآخر:
ثلاث بالغداة فهُنَّ حسبى
وست حين يدركنى العشاء
فذلك تسعة في اليوم ربي
وشُرب المرء بعد الِرى داء
والخلاصة:
لقد أصاب الأئمة في الإشارة إلى معنى جملة " تلك عشرة كاملة " وبخاصة في قولهم إنها أفادت دفع توهم من يحسب أن " الواو " بمعنى " أو " تفيد الإباحة، فليس ببعيد أن يفهم بعض الناس أن المتمتع بالعمرة إلى الحج كفارته الصيام:
فإن صام في الحج فيكفيه ثلاثة أيام، ومن لم يصم حتى رجع إلى بلده فعليه صيام سبعة أيام، وأن يفهم الاكتفاء بالثلاثة في الحج للتخفيف على المحرمين بالحج ويؤدون مناسكه، أما بعد الرجوع إلى الوطن فلا داعي للتخفيف، لأنه غير مشغول بالمناسك، وليس غريباً عن بلده. ليس ببعيد أن يقع هذا الفهم في أذهان بعض الناس حتى الفقهاء المجتهدين.
لذلك كان قوله تعالى: " تلك عشرة " واصفاً لها بأنها " كاملة " دافعاً لذلك الفهم.
وبذكر " كاملة " تحوَّل قوله تعالى: " تلك عشرة " إلى نص محكم غير قابل للاحتمال أو التأويل.
أما من حيث البلاغة والبيان، فإن كلمة " كاملة " وصفاً ل - " تلك عشرة " تفيد تعظيم هذه الأيام العشرة وكمال فضلها عند الله عز وجل.
بدليل أنه أشار إليها باسم الإشارة الموضوع للبعيد، تنويهاً ببعد منزلتها، وكان يمكن أن يقال هذه عشرة كاملة، وهذه اسم إشارة للقريب سواء كان قرباً حسياً أو قرباً معنويًّا.
هذه المعاني والدقائق والأسرار ما كانت لتُفهَم لولا وجود تلك العبارة، التي عدَّها مثيرو الشبهات عيباً من عيوب الكلام.