الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد تتعلق به آفتان قاتلتان منذ وجد، وإلى هذه اللحظة التي نعيش فيها:
آفة تتعلق بتاريخه متى ولد، وعلى يد من ولد، وكيف ولد، ثم ما هو محتوى الكتاب المقدس؟ وهل هو كلام الله، أم كلام آخرين؟ (23).
والمهم في الموضوع أن هذا الغموض في تاريخ الكتاب المقدس لم يثره المسلمون، بل أعلنه أهل الكتاب أنفسهم يهودًا أو نصارى ممن اتسموا بالشجاعة، وحرية الرأي، والاعتراف الخالص بصعوبة المشكلات التي أحاطت بالكتاب المقدس، مع الإشارة إلى استعصائها على الحلول، مع بقاء اليهودية والنصرانية كما هما. ومعنى العهد عند أهل الكتاب هو " الميثاق " والعهد القديم عندهم هو ميثاق أخذه الله على اليهود في عصر موسى عليه السلام، والعهد الجديد ميثاق أخذه في عصر عيسى عليه السلام (24).
والمشكلتان اللتان أحاطتا بالكتاب المقدس يمكن إيجازهما في الآتي:
- مشكلة أو أزمة تحقيق النصوص المقدسة، التي تمثل حقيقة العهدين.
- مشكلة أو أزمة المحتوى، أي المعاني والأغراض التي تضمنتها كتب (أي أسفار) العهدين، وفصولهما المسماة عندهم ب"الإصحاحات ".
والذي يدخل معنا في عناصر هذه الدراسة هو المشكلة أو الأزمة الأولى؛ لأنها هي المتعلقة بتاريخ الكتاب المقدس دون الثانية.
متى؟ وعلى يد مَنْ ولدت التوراة:
هذا السؤال هو المفتاح المفضى بنا إلى إيجاز ما قيل في الإجابة.
وهو تساؤل صعب، ونتائجه خطيرة جدًا، وقد تردد منذ زمن قديم. وما يزال يتردد، وبصورة ملحة، دون أن يظفر بجواب يحسن السكوت عليه.
وممن أثار هذا التساؤل في العصر الحديث وول ديورانت الأمريكى الجنسية، المسيحى العقيدة، وكان مما قال:
" كيف كُتبت هذه الأسفار (يعني التوراة) ومتى كُتبت؟ ذلك سؤال بريء لا ضير فيه، ولكنه سؤال كُتب فيه خمسون ألف مجلد، ويجب أن نفرغ منه هنا في فقرة واحدة، نتركه بعدها من غير جواب؟! (25).
فقد ذهب كثير من الباحثين إلى أن خروج موسى من مصر كان في حوالي 1210 قبل ميلاد السيد المسيح، وأن تلميذه يوشع بن نون الذي خلفه في بنى إسرائيل (اليهود) مات عام 1130 قبل الميلاد. ومن هذا التاريخ ظلت التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام مجهولة حتى عام 444 قبل الميلاد، أي قرابة سبعة قرون (700 سنة) في هذا العام. (444) فقط عرف اليهود أن لهم كتابًا اسمه التوراة؟
ولكن كيف عرفوه بعد هذه الأزمان الطويلة؟ وول ديورانت يضع في الإجابة على هذا السؤال طريقتين إحداهما تنافى الأخرى.
الطريقة الأولى:
أن اليهود هالهم ما حل بشعبهم من كفر، وعبادة آلهة غير الله، وانصرافهم عن عبادة إله بنى إسرائيل " يهوه " وأن " الكاهن خلقيا " أبلغ ملك بنى إسرائيل " يوشيا " أنه وجد في ملفات الهيكل ملفًا ضخمًا قضى فيه موسى عليه السلام في جميع المشكلات، فدعا الملك " يوشيا" كبار الكهنة وتلا عليهم سفر " الشريعة " المعثور عليه في الملفات، وأمر الشعب بطاعة ما ورد في هذا السفر؟
ويعلق وول ديورانت على السفر فيقول: "لا يدري أحد ما هو هذا السفر؟ وماذا كان مسطورًا فيه؟ وهل هو أول مولد للتوراة فيحياة اليهود "؟.
الطريقة الثانية:
أن بنى إسرائيل بعد عودتهم من السبى البابلى شعروا أنهم في حاجة ماسة إلى إدارة دينية تهئ لهم الوحدة القومية والنظام العام، فشرع الكهنة في وضع قواعد حكم ديني يعتمد على المأثور من أقوال الكهنة القدماء وعلى أوامر الله؟
فدعا عزرا، وهو من كبار الكهان، علماء اليهود للاجتماع وأخذ يقرأ عليهم هو وسبعة من الكهان سفر شريعة موسى ولما فرغوا من قراءته أقسم الكهان والزعماء والشعب على أن يطيعوا هذه الشرائع، ويتخذوها دستورًا لهم إلى أبد الآبدين (26).
هذا ما ذكره ديورانت نقلاً عن مصادر اليهود، وكل منهما لا يصلح مصدرًا حقيقيًا للتوراة التي أنزلها الله على موسى؛ لأن الرواية الأولى لا تفيد أكثر من نسبة الملف الذي عثر عليه " خلقيا " إلى أقوال موسى وأحكامه في القضاء بين الخصوم.
ولأن الرواية الثانية تنسب صراحة أن النظام الذي وضعه الكهان، بعد قراءتهم السفر كان خليطًا من أقوال كهانهم القدماء، ومن أوامر الله؟!