تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك كان الوقف على " طيبين " ممنوعًا لئلا يؤدي إلى قطع "الحال" وهو وصف، عن صاحبه " الملائكة " وهو الموصوف. وهذا لا يجوز بلاغة؛ فمنع الوقف هنا كان سببه الوفاء بحق المعنى، ومجيء الحال هنا جملة فعلية فعلها مضارع يفيد وقوع الحدث بالحال والاستقبال مراعاة لمقتضى الحال؛ لأن الملائكة تقول هذا الكلام لمن تتوفاهم من الصالحين في كل وقت لأن الموت لم ولن يتوقف.

وقوله تعالى: (إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولدم له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) (17).

علامة الوقف (م) موضوعة على حرف الدال من كلمة " ولد " للدلالة على لزوم الوقف على هذه الكلمة " ولد " وامتناع وصلها بما بعدها وهو: " له ما في السماوات وما في الأرض ".

وإنما كان الوقف، هنا لازمًا لأن هذا الوقف سيترتب عليه صحة المعنى وليمتنع إيهام غير صحته أما وصله بما بعده فيترتب عليه إيهام فساد المعنى.

بيان ذلك أن الوصل لو حدث لأوهم أن قوله تعالى: " له ما في السماوات وما في الأرض " وصف ل " الولد " المنفى، أي ليس لله ولد، له ما في السماوات والأرض، وهذا لا يمنع أن يكون لله سبحانه ولد ولكن ليس له ما في السماوات والأرض؟! وهذا باطل قطعًا.

أما عندما يقف القارئ على كلمة " ولد " ثم يستأنف التلاوة من " له ما في السماوات وما في الأرض " فيمتنع أن يكون هذا الوصف للولد المنفى، ويتعين أن يكون لله عز وجل، وهذا ناتج عن قطع التلاوة عند " ولد " أي بالفاصل الزمني بين تلاوة ما قبل علامة الوقف " لا " وما بعدها حتى آخر الآية.

فأنت ترى أن الوقف هنا يؤدي خدمة جليلة للمعنى المراد من الآية الكريمة. ومثله قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهمم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) (18).

علامة الوقف (م) موضوعة فوق الميم من كلمة " همم " للدلالة على لزوم الوقف عليها، وامتناع وصلها بما بعدها، وهو " الذين خسروا أنفسهم ".

وسر ذلك اللزوم؛ أن الوصل يوهم معنى فاسدًا غير مراد، لأنه سيترتب عليه أن يكون قوله تعالى: " الذين خسروا أنفسهم " وصفًا ل " أبناءهم " وهذا غير مراد، بل المراد ما هو أعم من "أبناءهم" وهم الذين خسروا أنفسهم في كل زمان ومكان. فهو حكم عام في الذين خسروا أنفسهم، وليس خاصًا بأبناء الذين آتاهم الله الكتاب.

هذه هي علامات الوقف، وتلك هي نماذج من المعاني الحكيمة التي تؤديها، أو جاءت رامزة إليها، وبقيت حقيقة مهمة، لابد من الإشارة إليها.

إن خصوم القرآن يعتبرون علامات الوقف تعديلاً أُدْخِل على القرآن، بعد عصر النزول وعصر الخلفاء الراشدين.

وهذا وهم كبير وقعوا فيه، لأن هذه العلامات وغيرها ليست هي التي أوجدت المعاني التي أشرنا إلى نماذج منها، فهذه المعاني التي يدل عليها الوقف سواء كان جائز الطرفين، أو الوقف أولى من الوصل أو الوصل أولى من الوقف، أو الوقف اللازم أو الوقف الممنوع. هذه المعاني من حقائق التنزيل وكانت ملحوظة منذ كان القرآن ينزل، وكان حفاظ القرآن وتالوه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبقونها في تلاوتهم للقرآن، قبل أن يُدوَّن

القرآن في " المصحف " هذا هو الحق الذي ينبغي أن يكون معروفًا للجميع، أما وضع هذه العلامات في عصر التابعين فجاءت عونًا لغير العارفين بآداب تلاوة القرآن، دون أن تكون بشكلها جزءا من التنزيل (19).

تنسيق المصحف:

نعنى ب: تنسيق المصحف " الفواصل بين سوره ب: " بسم الله الرحمن الرحيم " وترقيم آيات كل سورة داخل دوائر فاصلة بين الآيات، ووضع خطوط رأسية تحت مواضع السجود في آيات القرآن، ثم الألقاب التي أطلقت على مقادير محددة من الآيات مثل:

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور) · الصفحة ٣٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور)ص ٣٠٦