ارفعى عينيك حواليك وانظرى. قد اجتمعوا كلهم جاءوا إليك. يأتي بنوك من بعيد، وتحمل بناتك على الأيدى، حينئذ تنظرين وتنيرين ويخفق قلبك ويتسع؛ لأنه تحول إليك ثروة البحر، ويأتي إليك غنى الأمم تغطيك كثرة الجمال بكران مديان، وعيفة كلها تأتى من شبا. تحمل ذهبا ولبانا، وتبشر بتسابيح الرب. كل غنم قيدار تجتمع إليك. كباش نبايوت تخدمك تصعد مقبولة على مذبحى، وأزين بيت جمالي.
من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها. إن الجزائر تنتظرنى وسفن ترشيش في الأول لتأتى من بعيد، وفضتهم وذهبهم معهم لا سم الرب إلهك ... .
وبنو الغريب يبنون أسوارك، وملوكهم يخدمونك .. وتفتح أبوابك دائما نهاراً وليلاً لا تغلق، ليؤتى إليك بغنى الأمم وتقاد ملوكهم ... .
دلالة هذه النصوص:
بلا أدنى ريب فإن هذا الكلام المنسوب إلى أشعيا وصف لمكة المكرمة وكعبتها الشامخة.
فالمقطع الأول إنما هو حديث عن موسم الحج المبارك فيه يجتمع بنوها حولها من كل مكان وفيه لمحة قوية جداًُ إلى نحر الهدى صبيحة العيد. ألم يشر النص إلى غنم قيدار، وقيدار هوولد إسماعيل عليه السلام الذي تشعبت منه قبائل العرب. ثم ألم ينص على المذبح الذي تنحر عليه الذبائح؟
كما أشار النص ثلاث إشارات تعد من أوضح الأدلة على أن المراد بهذا النص مكة المكرمة. وتلك الإشارات هي طرق حضور الحجاج إليها. ففي القديم كانت وسائل النقل: ركوب الجمال. ثم السفن. أما في العصر الحديث فقد جدت وسيلة النقل الجوى " الطائرات " وبشارة أشعيا تضمنت هذه الوسائل الثلاث على النحو الآتي:
1 - الجمال، قال فيها: تغطيك كثرة الجمال.؟!
2 - السفن، قال فيها: وسفن ترشيش تأتى ببنيك من بعيد؟!
3 - النقل الجوى، وفيه يقول: من هؤلاء الطائرون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها.؟!!
أليس هذا أوضح من الشمس في كبد السماء.
على أن النص ملئ بعد ذلك بالدقائق والأسرار، ومنها أن مكة مفتوحة الأبواب ليلاً ونهاراً لكل قادم في حج أو عمرة .. ؟!
ومنها أن خيرات الأمم تجبى إليها من كل مكان، والقرآن يقرر هذا المعنى في قول الله تعالى:
(أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ).
ومنها أن بنى الغريب (يعني غير العرب) يبنون أسوارها. وكم من الأيدى العاملة الآن، وذوى الخبرات يعملون فيها ويشيدون قلاعها فوق الأرض وتحت الأرض ومنها أنه ما من عاصمة من عواصم العالم إلا دخلت في محنة من أهلها أو من غير أهلها إلا هذه " العاصمة المقدسة " فظلت بمأمن من غارات الغائرين وكيد الكائدين، ومثلها المدينة المنورة.
ومنها كثرة الثروات التي مَنَّ الله بها عليها. أليس البترول من ثروات البحر العظمى التي تفجرت أرض الحجاز وشبه الجزيرة منه عيوناً دفاقة بمعدل لم تصل إليه أمة من الأمم. أضف إلى ذلك سبائك الذهب والفضة.
والحديث عن مكة المكرمة حديث عن رسول الإسلام؛ لأن مجدها لم يأت إلا على يدي بعثته صلى الله عليه وسلم.
هذه الحقائق لا تقبل الجدل. ومع هذا فإن أهل الكتاب (وخاصة اليهود) يحملون هذه الأوصاف على مدينة " صهيون " ولهذا فإنهم عمدوا إلى النص وعدلوه ليصلح لهذا الزعم.
ولكننا نضع الأمر بين يدي المنصفين من كل ملة. أهذه الأوصاف يمكن أن تطلق على مدينة " صهيون ".
لقد خرب " بيت الرب " في القدس مراراً وتعرض لأعمال شنيعة على كل العصور. أما الكعبة الشريفة والمسجد الحرام فلم يصل أحد إليهما بسوء، ثم أين ثروات البحر والبر التي تجبى إلى تلك المدينة وأهلها (إلى الآن) يعيشون عالة على صدقات الأمم.
وأين هي المواكب التي تأتى إليها براً وبحراً وجَوّاً، وهل أبوابها مفتوحة ليلاً ونهاراً، وأين هم بنوها الذين اجتمعوا حولها.