تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ذلك في أول الإسلام. فهذا الحكم حكم حبس الزانية في البيت، حين شرعه الله عز وجل أومأ في الآية نفسها إلى أنه حكم مؤقت، له زمان محدد في علم الله أزلاً. والدليل على أن هذا الحكم كان في علم الله مؤقتاً، وأنه سيحل حكم آخر محله في الزمن الذي قدره الله عز وجل هو قوله: (أو يجعل الله لهن سبيلاً). هذا هو الحكم المنسوخ الآن وإن كانت الآية التي تضمنته باقية قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

أما الناسخ فهو قوله تعالى في سورة "النور" في الآية التي تقدمت، وبين الله أن حكم الزانية والزانى هو مائة جلدة، وهذا الحكم ليس عامّا في جميع الزناة. بل في الزانية والزانى غير المحصنين. أما المحصنان، وهما اللذان سبق لهما الزواج فقد بينت السنة قوليًّا وعمليًّا أن حكمهما الرجم حتى الموت.

وليس في ذلك غرابة، فتطور الأحكام التشريعية، ووقف العمل بحكم سابق، وإحلال حكم آخر لاحق محله مما اقتضاه منهج التربية في الإسلام.

ولا نزاع في أن حكم الجلد في غير المحصنين، والرجم في الزناة المحصنين، أحسم للأمر، وأقطع لمادة الفساد.

وليس معنى هذا أن الله حين أنزل عقوبة حبس الزانيات لم يكن يعلم أنه سينزل حكماً آخر يحل محله، وهو الجلد والرجم حاشا لله.

والنسخ بوجه عام مما يناسب حكمة الله وحسن تدبيره، أمَّا أن يكون فيه مساس بكمال الله. فهذا لا يتصوره إلا مرضى العقول أو المعاندين للحق الأبلج الذي أنزله الله وهذا النسخ كان معمولاً به في الشرائع السابقة على شريعة الإسلام.

ومن أقطع الأدلة على ذلك ما حكاه الله عن عيسى عليه السلام في قوله لبنى إسرائيل: (ولأحل لكم بعض الذي حُرِّم عليكم).

وفى أناجيل النصارى طائفة من الأحكام التي ذكروها وفيها نسخ لأحكام كان معمولاً بها في العهد القديم.

ومثيروهذه الشبهات ضد القرآن يعرفون جيداً وقوع النسخ بين بعض مسائل العهد القديم والعهد الجديد. ومع هذا يدعون بإصرار أن التوراة والأناجيل الآن متطابقان تمام الانطباق.

ومن هذا القسم أيضاً الآيتان الآتيتان:

(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون).

وقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين).

والآيتان فيهما نسخ واضح. فالآية الأولى توجب مواجهة المؤمنين لعدوهم بنسبة (1: 10)، والآية الثانية توجب مواجهة المؤمنين للعدو بنسبة (1: 2).

وهذا التطور التشريعى قد بين الله الحكمة التشريعية فيه، وهي التخفيف على جماعة المؤمنين في الأعباء القتالية فما الذي يراه عيباً فيه خصوم الإسلام؟

لو كان هؤلاء الحسدة طلاب حق مخلصين لاهتدوا إليه من أقصر طريق، لأن الله عزوجل لم يدع مجالاً لريبة يرتابها مرتاب في هاتين الآيتين. لكنهم يبحثون عن " العورات " في دين أكمله الله وأتم النعمة فيه، ثم ارتضاه للناس ديناً.

وقد قال الله في أمثالهم:

(ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين).

ومن هذا القسم أيضاً الآيتان الآتيتان:

(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصيةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ... ).

وقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ... ).

أجل، هاتان الآيتان فيهما نسخ؛ لأن موضوعهما واحد، هو عدة المتوفى عنها زوجها.

الآية الأولى: حددت العدة بعام كامل.

والآية الثانية: حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ليال.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور) · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور)ص ٢٤